حين تبحث المدارس عن التريند: من يعيد للمعلم هيبته؟
بقلمي: جمال القاضي
في الفترة الأخيرة، باتباع موجة التريند والسبق الإعلامي، أصبحت صفحات المدارس تعج بالمشاهد المختلفة وراحت تتسابق في الظهور على منصات التواصل الاجتماعي بأداء استعراضي غريب. فبدلاً من الهدوء والانضباط الذي يُميز طابور الصباح، نرى معلمة تربية رياضية تؤدي تمارين الصباح بطريقة بهلوانية أشبه براقصة باليه، وعلى الجانب الآخر نرى مديراً لمدرسة يمارس التمارين مع طلابه بخشونة وعنف، وصولاً إلى تقديم عروض غريبة وتوثيقها بالفيديوهات بغرض حصد المشاهدات.
تراجع المكانة: بين نظرة المجتمع ومرارة الواقع
رغم كل ما نراه، إلا أن منزلة المعلم ومكانته في المجتمع أخذت طريقاً مأساوياً نحو التدني، لدرجة أن الكثير من المعلمين باتوا يخجلون من الإفصاح عن طبيعة عملهم إذا سألهم أحدهم :ماذا تعمل؟.
هذا التدني انعكس بوضوح على الحالة النفسية للمعلمين؛ حتى صار أحدهم يتمنى لو أن الزمان عاد به للوراء ليختار مهنة أخرى، متمنياً لو كان عاملاً في ورشة ميكانيكا، أو سائق توكتوك، أو بواباً لعمارة بعيدة عن قريته، بل وصل الأمر بالبعض إلى التمني باللجوء للتسول فقط ليكمل مسيرة تربية أولاده وتزويجهم، وتزداد مرارة هذه الأمنيات مع التدني الواضح في الأجور، مما دفع الكثيرين للعمل بأجرة يومية في الحقوق او غيرها بعد بلوغ سن المعاش خصوصا وان المعاش الذي يتقاضاه لم يعد يغطى احتاجاته المادية .
الماضي الجميل: هيبة وانضباط بلا استعراض
في الماضي، كان للمعلم مكانة راسخة في قلوب طلابه أولاً، وفي كافة طوائف المجتمع ثانياً. ففي طابور الصباح، كان الجميع يلتزم بالثبات والإنصات للإذاعة المدرسية التي تُبرز المواهب وتبث المعارف.
معلم التربية الرياضية قديماً كان يدير طابور الصباح بتمارين تُجدد النشاط، ولكن بطريقة تحفظ له احترامه وهيبته أمام طلابه وزملائه. لم يكن هناك مكان لمثل ما نراه اليوم من رقصات لمعلمة تقدم التمارين بطريقة بهلوانية تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. قد تكون في نظر نفسها تُجدد نشاط الطالبات، لكنها تناست أن هذه الحركات تُعرض أمام زملاء وزميلات ومجتمع بأسره، فتتحطم هيبتها ومكانتها أمام الجميع دون أن تعي ذلك، تماماً كما يفعل بعض المديرين الذين يستعرضون لياقتهم البدنية بشكل مبالغ فيه ومتعمد.
أين تكمن الحدود؟ والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل تحول التعليم إلى مسرح تتسابق فيه إدارات المدارس لتنال إعجاب المسؤولين وحصد التفاعل الإلكتروني؟
أم أننا نسينا دور المعلم الحقيقي، وأنه يجب أن يكون مثلاً وقدوة يُحتذى بها في الثبات، والوقار، والعفاف، وغيرها من الصفات النبيلة؟
إن الأماكن المخصصة لمثل هذه الأنشطة والحركات معروفة للجميع؛ فهي محصورة داخل حصص التربية الرياضية المخصصة لذلك، أو حصص الأنشطة التي يُسمح فيها للطالب بالإفصاح عن مواهبه للعمل على تطويرها، بعيداً عن صخب الطابور العام واستعراضات منصات التواصل.
الهيبة تبدأ من الداخل
يجب على كل معلم أن يدرك أن الهيبة الحقيقية لا تُمنح من الآخرين، بل يمنحها المعلم لنفسه أولاً بسلوكه ووقاره، لتُفرض بعدها على الغير احتراماً وتقديراً. تماماً مثل الذهب؛ فهو لم يُقدر لتهافت الناس عليه، بل لأن جوهره أصيل وثمين، فأدرك الجميع قيمته.
نعم، المدرسة لا تُغفل دورها الاجتماعي؛ فهي جزء أصيل من المجتمع، تبدأ بتربية النشء بالتوازي مع التعليم. فهناك مدارس أدركت حقاً رسالتها؛ فمثلا منها من غرس دور الأم في المجتمع عبر مشهد درامي بسيط يجسد مكانة المرأة وأهميتها، ومنها من أبرز المواهب الحقيقية كإلقاء الشعر والمدح، أو جسّد بطولات حرب أكتوبر من خلال بانوراما وطنية مبسطة، فضلاً عن إشعال الحماس الوطني عبر الأناشيد الأصيلة قبل وأثناء الطابور.
وأخيرا:
إن ما نراه اليوم من استعراضات راقصة، وتمارين عنيفة يُقدمها بعض المديرين والمعلمين، هو انحراف خطير يبعد المعلم عن المكانة الراقية والوقار الذي تفرضه عليه هذه المهنة المقدسة. فوظيفة المعلم أسمى من أن تحوله الى الاستعراضات الرقمية أو إلى بهلوان، فاحفظوا للمعلم وقاره؛ ليبقى منارةً يقتدي بها أجيال المستقبل.