منوعات

من الفشل الدراسي إلى الدكتوراه.. حكاية امرأة لم تكسرها الهزائم

من الفشل الدراسي إلى الدكتوراه.. حكاية امرأة لم تكسرها الهزائم

من الفشل الدراسي إلى الدكتوراه.. حكاية امرأة لم تكسرها الهزائم

بقلم : زهره الثالوس
لم تكن حياتي طريقًا مفروشًا بالورود، ولم أصل إلى ما أنا عليه بسهولة، بل كانت رحلة طويلة من الانكسارات والصدمات والمعارك التي خضتها وحدي، حتى تعلمت أن السقوط ليس نهاية الطريق، وأن الإنسان قد يكتشف قوته الحقيقية في اللحظة التي يظن فيها أنه فقد كل شيء.
بدأت حكايتي وأنا طالبة فاشلة في الدراسة، كنت أسقط في الامتحانات وأدخل امتحانات الدور الثاني، واستمر بي الحال حتى الصف الثاني الإعدادي. وفي يوم، اكتشف أخي الأكبر، وهو مهندس، شهادة درجات الشهر داخل حقيبتي، وكانت درجاتي سيئة للغاية. غضب بشدة وهددني بالعقاب إن لم أذاكر، فخفت منه وقررت أن أغير حياتي. ذاكرت بجدية، وكانت المفاجأة أنني حصلت على درجات مرتفعة في امتحان الشهر التالي. من يومها، اكتشفت أنني أستطيع النجاح، وأن المشكلة لم تكن في قدراتي بقدر ما كانت في عدم اكتشافي لنفسي.
دخلت المرحلة الثانوية، لكن أجواء المنزل لم تكن سهلة. كان أبي شديدًا في تعامله، وكانت الحياة الأسرية تضغط على أعصابي، فوجدت في الكتب والمذاكرة ملاذًا أهرب إليه من مشكلاتي. تحولت الدراسة إلى عالمي الخاص، حتى إنني كنت أتعامل مع معادلات الكيمياء بشغف، وحصلت على الدرجة النهائية فيها في الصف الثاني الثانوي.
كنت أحلم بالالتحاق بكلية الهندسة، لكنني لم أتمكن من تحقيق حلمي بفارق درجة واحدة تقريبًا. كانت الصدمة قاسية، وشعرت بأن مستقبلي انتهى قبل أن يبدأ. لم أكن أتصور أن ألتحق بكلية العلوم، وراودتني أفكار سوداوية من شدة الإحباط، ثم فكرت في أن ألتحق بأي كلية، وأتخرج، وأتزوج، وأعيش حياة عادية مثل زميلاتي.
التحقت بكلية العلوم، ودخلت الفصل الدراسي الأول وأنا لا أملك الحماس الكافي للاستمرار، بل كنت أفكر في الرسوب والتحويل إلى كلية التجارة. لكنني اجتزت الفصل الدراسي الأول بتقدير مقبول، وشيئًا فشيئًا وجدت نفسي أتعلق بالدراسة من جديد، وأحقق تقديرات مرتفعة وصلت إلى جيد جدًا وامتياز. أدركت وقتها أن الأحلام قد تتغير طرق الوصول إليها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن نفقد قدرتنا على النجاح.
بعد التخرج، عملت في إحدى شركات الأدوية نحو خمس سنوات، وكنت مجتهدة وناجحة في عملي. وهناك، قابلت طبيبًا في مستشفى عام لفت انتباهي، وشعرت تجاهه بإعجاب تحول إلى حب، لكنني لم أمتلك الشجاعة للتعبير عن مشاعري. وبعد فترة، علمت أنه خطب طبيبة اختارتها له والدته، فكانت تلك اللحظة نقطة تحول جديدة في حياتي. أقسمت بيني وبين نفسي أن أصبح طبيبة، وأن أصل إلى المكانة العلمية التي تمنيت الوصول إليها.
لم أكن أستطيع أن أصبح طبيبة بالمعنى الذي حلمت به، لكنني قررت أن أعود إلى الدراسة وأكمل طريقي العلمي. التحقت بالدراسات العليا، وبدأت مرحلة التمهيدي للماجستير، وواصلت الاجتهاد رغم اعتراضات أبي وضغوطه، فقد كان يخشى أن أتأخر في الزواج، وكان يردد أنني قد أبقى دون زواج إذا استمررت في الدراسة. لكنني تمسكت بحلمي، حتى سجلت رسالة الماجستير.
ثم جاءت واحدة من أصعب محطات حياتي، عندما تقدم إليّ الرجل الذي أصبح زوجي فيما بعد. كنت قليلة الخبرة بالحياة، فقد قضيت معظم سنواتي بين المنزل والكتب والدراسة والعمل، ولم أكن أمتلك الخبرة الكافية لاكتشاف طبيعة شخصيته الحقيقية. تمت الخطبة خلال شهر ونصف تقريبًا، ثم اكتشفت بعد الزواج أنني أمام علاقة قاسية ومؤلمة، تعرضت خلالها للاعتداء والضرب والإهانة، وتحولت حياتي إلى سلسلة من المعاناة اليومية.
كنت ألجأ إلى أبي وأطلب منه الطلاق، لكنه كان يخشى كلام الناس وسمعة العائلة، فوجدت نفسي مضطرة إلى الاستمرار في علاقة تستنزفني نفسيًا وجسديًا. وسط تلك الظروف، قررت أن أتمسك بالشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنحني فرصة للخلاص: العلم.
واصلت دراستي وعملت على استكمال الماجستير، حتى حصلت عليه بعد ست سنوات من المعاناة والصبر والعمل الشاق. كانت سنوات ثقيلة، عشت خلالها ضغوطًا قاسية داخل المنزل، إلى جانب مسؤولياتي العلمية ومحاولاتي المستمرة للحفاظ على توازني.
وفي أحد أيام شهر رمضان، وتحديدًا يوم السابع والعشرين منه، وصلت إلى لحظة شعرت فيها بأنني لم أعد أحتمل المزيد. نظرت إلى السماء وناجيت الله، متمنية أن يخلصني مما أعيشه. وبعد أيام قليلة، في اليوم الرابع من عيد الفطر، توفي أبي. كان رحيله صدمة كبيرة، لكنه دفعني إلى إعادة النظر في حياتي واتخاذ القرار الذي تأخر طويلًا.
قررت الانفصال عن زوجي، وأن أربي بناتي وحدي، مهما كانت التحديات التي تنتظرني. لم يكن القرار سهلًا، لكنني كنت أعرف أن الاستمرار في حياة مليئة بالعنف والإهانة لم يعد خيارًا أستطيع احتماله.
بدأت من جديد، وأنا أحمل مسؤولية بناتي ومستقبلهن، إلى جانب مسؤولياتي المهنية والعلمية. تعثرت مرات، وبكيت مرات أخرى، لكنني كنت أعود في كل مرة إلى الطريق الذي أعرفه جيدًا: الدراسة والعمل. سجلت الدكتوراه، وواصلت مسيرتي المهنية، وخضت معارك كثيرة حتى استطعت أن أحقق مكانة مهنية مهمة، وأصبح مديرة في عملي، وأحصل على درجة الدكتوراه.
كنت أظن أن وصولي إلى هذه المرحلة سيمنحني أخيرًا شيئًا من الاستقرار، لكن المشكلات لم تنتهِ. ظل طليقي يلاحقني بالمشكلات والقضايا، وأصبحت حياتي مليئة بالتحديات التي لا تنتهي، رغم محاولاتي المستمرة لبناء حياة مستقرة لبناتي.
وفي محاولة مني للبحث عن الأمان لي ولهن، قررت الزواج من ضابط، ظنًا مني أن وجود رجل مسؤول إلى جواري قد يحميني أنا وبناتي من الضغوط التي عشتها. لكنني فوجئت بأن حياتي دخلت من جديد في دائرة من التعقيدات، بعدما علمت طليقته بزواجه، وظهرت مشكلات أثرت في حياته وعمله، ثم وجدت نفسي أمام أزمة جديدة، بعدما بدأ يتحدث عن الطلاق والعودة إلى زوجته السابقة.
وهكذا وجدتني مرة أخرى في مواجهة واقع لم أخطط له، أحاول أن أستوعب ما حدث، وأحافظ على نفسي وبناتي، وأبحث عن بداية جديدة بعيدًا عن الصراعات التي استنزفت سنوات من عمري.
اليوم، لا أرى نفسي امرأة فشلت في الدراسة ثم نجحت، ولا زوجة عانت ثم انفصلت، ولا امرأة حصلت على الماجستير والدكتوراه وتولت منصبًا مهمًا فحسب. أرى نفسي إنسانة تعلمت بالطريقة الصعبة أن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريده، لكنها تترك لنا فرصة الاختيار في كل مرة نسقط فيها.
لقد بدأت رحلتي بفتاة تخشى غضب أخيها بسبب درجاتها الدراسية، ثم أصبحت امرأة تصنع لنفسها مكانة بالعلم والعمل، رغم كل ما واجهته من قسوة وضغوط.
واليوم، ما زلت أحلم بالسفر إلى الخارج، واستكمال مسيرتي العلمية، وفتح صفحة جديدة أعيش فيها بسلام، وأمنح بناتي حياة أكثر استقرارًا.
لم أعد أريد أن أثبت لأحد أنني قوية، فقد أثبتُّ ذلك لنفسي مرات كثيرة. كل ما أريده الآن أن أعيش حياة لا أضطر فيها إلى محاربة الجميع كي أحصل على حقي في الأمان والاحترام والسعادة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى