منوعات

قصر العيني.. قصة 200 عام… قوة مصر الناعمة ومحرك النهضة الطبية في العالم

قصر العيني.. قصة 200 عام... قوة مصر الناعمة ومحرك النهضة الطبية في العالم

قصر العيني.. قصة 200 عام… قوة مصر الناعمة ومحرك النهضة الطبية في العالم

كتب : احمد سلامة
شكّلت السنوات التي سبقت التدخل البريطاني المباشر في منظومة التعليم واحدةً من أكثر الفترات ازدهارًا في تاريخ مدرسة الطب بقصر العيني، إذ شهدت تطورًا إداريًا وتشريعيًا وعلميًا رسّخ مكانتها باعتبارها المؤسسة الطبية الأهم في مصر والمنطقة، وأكد قدرة الإدارة المصرية على قيادة مشروع طبي وتعليمي متكامل بمعايير عالمية.
بدأت هذه المرحلة مع اعتزال رائد الطب المصري محمد علي باشا البقلي رئاسة المدرسة عام 1879، ليخلفه جلياردو بك الذي تولى إدارتها حتى عام 1882. وفي العام نفسه تعرضت مصر للاحتلال البريطاني، إلا أن تأثيره لم يكن قد امتد بعد إلى إدارة التعليم، وهو ما أتاح للمدرسة أن تعيش سنواتها الأخيرة تحت قيادة وطنية صنعت واحدة من أهم محطات النهضة الطبية.
وفي عام 1883 تولى الأستاذ الدكتور عيسى حمدي باشا رئاسة مدرسة الطب، ليقود مرحلة استثنائية مثّلت ذروة التطور التشريعي والعلمي قبل بدء التدخل الإنجليزي في شؤون التعليم. وقد اتسم عهده برؤية إصلاحية شاملة أعادت صياغة منظومة التعليم الطبي على أسس حديثة، ورسخت مكانة قصر العيني كصرح علمي رائد.
ففي عام 1887 استصدر عيسى حمدي باشا مرسومًا رسميًا (دكريتو) أعاد بموجبه هيكلة التعليم الطبي؛ فرفع مدة الدراسة بمدرسة الطب إلى ست سنوات، وثلاث سنوات بمدرسة القابلات، وأقر نظام الالتحاق الخارجي بمصروفات بلغت خمسة عشر جنيهًا، مع اشتراط الحصول على شهادة الدراسة الثانوية، واجتياز امتحان القبول، وألا يقل عمر الطالب عن ستة عشر عامًا. كما ألزم الخريجين بإعداد رسالة علمية لنيل لقب “دكتور”، ووضع برنامجًا دراسيًا متطورًا يواكب أحدث النظم العلمية، إلى جانب نظام دقيق لترقية أعضاء هيئة التدريس يعتمد على ترشيح لجنة الأساتذة واعتماد ناظر المعارف.
وامتدت الإصلاحات لتشمل الجوانب الأكاديمية؛ إذ أقر امتحانًا في اللغة الأجنبية للطلاب الحاصلين على الثانوية، رغم أن الدراسة الطبية كانت تُدرَّس باللغة العربية، كما وضع نظامًا للمسابقات العلمية لاختيار أعضاء هيئة التدريس عند شغل الوظائف الأكاديمية، ووضع لائحة متكاملة لتنظيم العمل والبرامج الدراسية وفق أحدث النظم الأوروبية، واعتمدها مجلس الوزراء عام 1889.
ولم تقتصر النهضة على التشريع والتعليم، بل امتدت إلى البنية التحتية؛ إذ قاد عيسى حمدي باشا مشروعًا واسعًا لتطوير مباني قصر العيني، فأُنشئت المباني الحديثة للمدرسة، وأقيمت المعامل المتخصصة لدراسة العلوم الطبية الحديثة، ومنها معامل البكتريولوجيا والهستولوجيا، مع تطوير قاعات التشريح والتشريح المجهري، وإعادة تصميم المدرسة لتستوعب نحو 500 طالب، بما وفر بيئة تعليمية تضاهي كبرى المدارس الطبية الأوروبية في ذلك الوقت.
وفي عام 1885 افتُتحت العيادة الخارجية للجمهور، لتشهد إقبالًا غير مسبوق من المرضى، حتى أشار اللورد كرومر في أحد تقاريره الرسمية إلى أن كثافة المترددين أثارت مخاوف من عدم قدرة العيادة على استيعاب هذا العدد الكبير، في شهادة تاريخية تعكس ثقة المجتمع في كفاءة الأطباء والإدارة المصرية، وتؤكد النجاح الذي حققته المدرسة في تقديم خدمة طبية متقدمة.
وتزامنت هذه النهضة مع ازدهار الحركة العلمية والثقافية داخل قصر العيني، حيث حرص الأساتذة على رعاية طلابهم علميًا، وأسّسوا الجمعية الطبية الإكلينيكية، وأصدروا “مجلة الصحة” باللغة العربية، لتكون منبرًا لنشر الأبحاث والدراسات والمؤلفات والترجمات التي أسهمت في بناء مكتبة طبية عربية متخصصة، وأصبحت مرجعًا للتدريس والاكتفاء العلمي.
وشهدت تلك المرحلة صدور عدد كبير من المؤلفات الطبية الرائدة، من بينها كتاب “التاريخ الطبيعي” لعثمان بك غالب، ومؤلفات عيسى حمدي باشا التي شملت “الباثولوجيا” و**“أمراض الأطفال”** و**“المادة الطبية”** و**“الولادة”** و**“قانون الصحة للحاملات والأطفال”، إلى جانب “التشريح الدقيق” للدكتور طلعت، و“الطب الشرعي”** لإبراهيم بك حسن، و**“قانون الصحة”** للخورشيد بك، و**“الكيمياء المعدنية”** لجستنل بك، و**“الكيمياء غير الآلية”** لإبراهيم بك مصطفى، فضلًا عن المؤلفات الجراحية المتعددة لدري بك، الذي أنشأ مطبعة خاصة في حارة السقايين لطباعة مؤلفاته ومؤلفات زملائه، في خطوة عكست إيمان علماء قصر العيني بأهمية نشر المعرفة الطبية باللغة العربية.
وقد أجمع المؤرخون على أن هذه المرحلة كانت من أنجح الفترات في تاريخ المدارس الطبية المصرية، وأن خريجيها كانوا في طليعة أطباء البلاد علمًا وكفاءة، وظلت هذه المنظومة المتكاملة تواصل تقدمها حتى أكتوبر 1889، حين تقدم عيسى حمدي باشا باستقالته إثر خلاف جوهري مع ناظر المعارف علي باشا مبارك حول قوانين المدرسة. وقد اعتبر عدد من المؤرخين تلك الاستقالة نقطة تحول مؤثرة في مسيرة قصر العيني، لما تركته من آثار على مستقبل المدرسة وتطورها الأكاديمي، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر مراحل النهضة الطبية المصرية إشراقًا قبل أن تبدأ مرحلة جديدة فرضتها ظ
روف الاحتلال البريطاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى