منوعات

غزّة… حين تُنجب الغاراتُ نخلًا

غزّة… حين تُنجب الغاراتُ نخلًا

غزّة… حين تُنجب الغاراتُ نخلًا

للشاعر  سعيد إبراهيم زعلوك

في غزّة،
لا يُنضَجُ الخبزُ بالنار،
بل بالصبر.
الملاعقُ هناك،
لا تُحرّك الشوربة،
بل تُربّي الحنين.
البيوت؟
تحملُ أسماء شهدائها كالأمهات،
وتفتحُ شبابيكها
لضوءٍ قد لا يأتي.
غزّة،
أنثى لا تسكن بيتًا،
بل تسكنُ ضلع أمّها المكسور،
تتوسّد الظلّ،
وتبتسمُ للسماء كأنّها لم تُفجَّر منذ قليل.
هناك،
لا أحد ينتظر الطهو،
بل ينتظر الكهرباء،
أو الهدوء…
ليبدأ بالصلاة،
أو بالبكاء،
أو بإصلاحِ نافذةٍ نجَتْ من المذبحة.
غزّة،
أنثى تحيكُ من الرمادِ حليبًا،
تُرضِعُ به أبناءها
وتقول:
“الوطنُ لا يَكبرُ إلّا من ثديِ النار”.
في غزّة،
الحزنُ ليس طارئًا،
بل موظفٌ حكوميّ،
له مكتبٌ في قلبِ كلّ بيت.
لكنّها،
لا تلبسُ السوادَ طويلًا،
تغسلُه مع الصباح،
وتخرجُ للعالم
بوشاحٍ من ترابِ الشهداء،
وأغنيةٍ بلا لحن.
غزّة،
لا تندبُ،
تُداري الدمعَ كأنّه عورة،
وتضحكُ حين تسقط الجدران
كأنّها تلعبُ مع الحصارِ لعبةَ الاحتمال.
غزّة،
مدينةٌ تُعلّم الخرائطَ
أن تتواضع،
وتعلّم التاريخ
أن يتلعثم حين ينطق اسمها.
من رحمِها
تخرجُ الثورةُ
بصوتٍ صغيرٍ
كأنّه بكاء رضيع،
لكنه يشقُّ الجدار.
غزّة،
لا تطبخُ الطعام،
بل تطبخُ المعنى.
لا تأكلُ كثيرًا،
لكنّها تُشبع العالم
من الصور.
وحين تسألها:
“كيف تنامينَ والقصفُ فوق رأسكِ؟”
تضحكُ وتقول:
“ومَن قال إنّ النومَ نعمة؟
نحن نحلمُ بأعينٍ مفتوحة،
فلا نرى الكوابيسَ،
بل نحياها”.
غزّة،
ليست جائعة فقط،
بل تُجَوِّعُ ذاكرتنا،
تُرغمنا على أن ننسى طعمَ البرتقال،
ونتذكّر فقط شكلَ اليد
حين تعودُ فارغة.
غزّة…
ليست مدينة،
بل امتحانٌ للعالم.
وكلّنا…
رسبنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى