سقوط الأقنعة وظمأ القلوب: كيف تنهار العروش الزوجية تحت مقصلة الإهمال؟
بقلمي: جمال القاضي
في عالم العلاقة الزوجية، لا تسقط العروش فجأة، ولا تنهار بيوت المحبة بزلزال عابر؛ بل تتآكل هادئةً تحت سُحُبٍ كثيفة من الصمت والجفاء. وهناك، في دهاليز النفس البشرية، تقبع حقيقة أزلية: إن القلوب ( على اختلاف أجسادها بين رجل وامرأة ) جائعة دوماً لغذاء الرعاية، ظامئة لكلمة تقدير تُعيد إليها نضارتها. لكن، حين يجف ينبوع الاهتمام داخل جدران البيت الواحد، وتبدأ المشاعر في الكفر بالظروف والتعامي عن الأعذار، تُفتَح الأبواب الخلفية للتشتت، وينقسم العالم إلى صنفين: قلوبٌ ضلت الطريق فصارت مباحة للجميع، وقلوبٌ حُصِّنت بالوفاء فاستقرت في رحاب شخص واحد.
«رجل لكل النساء».. ركضٌ وراء أوهام الاحتواء
المشاعر أشبه بابكائنات الحية لا تعترف بلغة «الأعذار»، ولا تقنع بقسوة الظروف حين يتسلل الفقد إلى الروح. فالرجل حين يستشعر الجفاء في بيته، ولا يجد من يربد ان يرتاح على كتفه عند المساء أو يسأل عن نبض حاله، يبدأ بالابتعاد رويداً رويداً عن محيط الأسرة؛ ليغادر المرفأ الأول بهدوء، باحثاً عن قلبٍ يُشعرُه بأهميته ومكانته.
في هذه اللحظة الحرجة، تتوحد الأجساد في التباعد، لكن المشاعر تبث رسائلها الصامتة عبر أثير الاحتياج، ليستنشقها كل من يمر بها. هنا يتحول الرجل إلى «رجل لكل النساء»؛ يبحث لدى الأولى عن اهتمامٍ مفقود، ويثني لدى الثانية على حُلو الكلام وجَنِيِّ العبارات، ويتطلع لدى ثالثة إلى جمال المظهر الذي افتقده في شريكة عمره. يتحول قلبه إلى بوصلة تائهة، تصبح فيها كل امرأة غير زوجته هي امرأة في مرمى اهتمامه ورغبته في سد رمق غروره وجوع روحه.
**«امرأة لكل الرجال».. الهروب إلى السراب**
ولا تختلف المرأة عن الرجل في طبيعة هذا الظمأ الوجداني. فالمرأة تُبحر بكليتها نحو الكلمة الطيبة؛ تفضل نبرة صادقة تثلج صدرها وتكون بلسمًا لمشاق يومها، على كل طعام الدنيا ومتاعها. إنها لا تطلب المستحيل، بل تتوق لمن يُشبع وجدانها؛ فإن وجدت ذلك من زوجها، أغلقت أبواب قلبها أمام بريق العالم كله.
أما إن افتقدت ذاك الدفء، وعاشت في كنف زوجٍ حاضرٍ بجسده غائبٍ بروحه، فإنها قد تسقط في فخ البحث عن «مائدة المشاعر». تضع أمام عينيها كل صنوف الاهتمام والتودد، بصرف النظر عمن يقدمها وكيف يقدمها. وحينئذ، تصبح «امرأة لكل الرجال»؛ كلمة مدحٍ واحدة تجعلها تطير فرحاً كأنها تُعانق الريح، وغزلٌ عابر بشيء من جمالها يمنحها إحساساً زائفا بالحياة. ورغم يقينها الداخلي بأن هذه المشاعر قد تكون سراباً ومحض أوهام، إلا أنها تصر على إقناع نفسها بصدقها، تمسكاً بأمل الاستمرار في تجربة ربما تُعيد إليها أنوثتها المنسية.
وعلى الضفة الأخرى من النهر، يقف أولئك الذين أدركوا فلسفة البقاء ورمزية الوفاء. أدركوا أن طعام الجسد لا يكفي وحده لاستمرار الحياة، ما لم يُمْزَج بمقبلات الود ورائحة التقدير التي تجعل العيش مستساغاً.
هؤلاء هم من فهموا أن الحب ليس مدفوعاً بالمال ولا بالمظاهر البراقة، بل بلمساتٍ بسيطة وتلميحاتٍ توحي بالقبول والسكون؛ بابتسامة تستقبل الزوج عند عودته مُنهكاً من عمله، بنزهة بسيطة على شاطئ البسطاء أو بين أحضان الحقول، بطبطبةٍ حانية تُضمد تعب الروتين اليومي، وبجلسة أسرية تلتف حول ضحكات صادقة.
إن هذا التبادل الوجداني البسيط هو ما يجعل الرجل حقاً لامرأة واحدة، والمرأة لرجل واحد. إنه المصل الواقي الذي يُحصّن الأسرة ضد الانهيار، فلا تتشتت ركائزها، ولا تقوى الأيدي الخبيثة على التغلغل لإفساد نسيجها المتين.
واخيرا:
إن انهيار العلاقات الزوجية لا يبدأ بالخيانات الكبرى، بل يبدأ بتلك التفاصيل الصغيرة التي دهسها الإهمال. وحين ندرك أن المشاعر لا تُقاس بالمال بل بالاحتواء، وأن القلوب تحتاج إلى من يرعاها كي لا تبحث عن مأواها خارج الحدود، حينها فقط نستطيع أن نبني بيوتاً عصية على السقوط، ورجالاً لامرأ