نهاية العولمة وصعود النماذج الإقليمية وسلاسل التوريد المتعددة
بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض
لقد شهدنا خلال العقود الثلاثة الماضية حقبة ذهبية للعولمة، حيث ساد اعتقاد بأن العالم يسير نحو قرية كونية واحدة تذوب فيها الحدود وتتقلص فيها المسافات، لكن هذه الرؤية المثالية تواجه اليوم اختباراً وجودياً أمام تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة تعيد رسم خريطة العالم من جديد لقد بدأت نهاية العولمة كما عرفناها، تلك العولمة التي ارتكزت على نموذج أحادي القطب قاده الغرب، واعتمدت على سلاسل توريد عالمية معقدة وطويلة، وروجت لسياسات الانفتاح الاقتصادي غير المشروط اليوم، نعيش بداية عصر جديد، عصر ما بعد العولمة، حيث تتراجع النماذج العالمية لصالح التكتلات الإقليمية، وتتحول سلاسل التوريد العالمية إلى شبكات إقليمية متعددة، وتصبح الكفاءة أقل أهمية من المرونة والأمان.
إن صعود النماذج الإقليمية ليس مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل هو تحول جيوسياسي عميق تعكسه الاتفاقيات التجارية الإقليمية الجديدة التي تستثني القوى التقليدية فمشروع الاتحاد الأوروبي يبحث عن مزيد من التكامل لتحقيق الاكتفاء الذاتي الإقليمي، بينما تتعمق مجموعة الآسيان في تعاونها الاقتصادي والأمني، وتبرز منطقة التجارة القارية الأفريقية كإطار طموح للتكامل داخل القارة هذه التكتلات لم تعد مجرد اتفاقيات تجارية، بل أصبحت كيانات استراتيجية تهدف إلى خفض الاعتماد على القوى الخارجية وبناء مرونة جماعية في وجه الصدمات العالمية لقد علمت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا العالم درساً قاسيا الاعتماد المفرط على سلاسل التوريد العالمية البعيدة يجعل الاقتصادات الوطنية رهينة لأزمات لا علاقة لها بها.
في هذا السياق، نشهد تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة سلاسل التوريد، حيث تنتقل الشركات العالمية من نموذج “الكفاءة القصوى” الذي كان سائداً خلال ذروة العولمة، إلى نموذج “المرونة والاستدامة” لقد أصبحت مخاطر الاعتماد على مصدر وحيد للإنتاج، خاصة إذا كان يقع في مناطق مضطربة جيوسياسياً، أكبر من أن يتم تجاهلها لذلك نرى الشركات العملاقة تعيد توزيع عملياتها الإنتاجية عبر عدة مناطق جغرافية، وتقصر سلاسل توريدها، وتفضل الإنتاج القريب من أسواق الاستهلاك حتى لو كان ذلك أكثر تكلفة هذه الظاهرة، المعروفة باسم “التقريب” أو “الإقليمية”، لم تعد خياراً تفضيلياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية للبقاء في عالم يتجه نحو التشرذم.
لكن هذا التحول من العولمة إلى الإقليمية لا يخلو من مخاطر وتحديات كبيرة فأولاً، يعني هذا التحول ارتفاع الإنتاج والتضخم على مستوى العالم، حيث تختفي المزايا التي وفرتها العولمة ثانياً، يهدد هذا التحول بتراجع النمو الاقتصادي العالمي، حيث تضعف تخصيص الموارد على مستوى العالم ثالثاً، قد يؤدي هذا التحول إلى تعميق الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، حيث تنسحب الاستثمارات الأجنبية من الدول النامية لتعود إلى الدول المتقدمة أو جاراتها الإقليمية رابعاً، يخلق هذا التحول بيئة من التنافسية الإقليمية الحادة، حيث تتنافس التكتلات الإقليمية على الموارد والأسواق، مما قد يزيد التوترات الجيوسياسية.
في الختام، نحن لا نشهد نهاية للعولمة بالمعنى الحرفي، بل نشهد تحولاً إلى نموذج جديد من العولمة، أكثر إقليمية وأقل مركزية، وأكثر توازناً بين الكفاءة والأمان هذا النموذج الجديد، رغم كل تحدياته، قد يكون أكثر استدامة وعدلاً في المدى الطويل، لأنه يعترف بالخصوصيات الإقليمية ويحد من هيمنة القوى الأحادية، ويسمح بتطور مسارات تنموية أكثر تنوعاً تلائم ظروف كل إقليم وتاريخه وثقافته إنها نهاية العولمة كما عرفناها، ولكنها بداية لعولمة جديدة أكثر تعددية وتوازن