أن تسافر بقطار من الفيوم للأسكندرية تراهن بعمرك على انتصار العبث على الحداثة و أن الجنون وحده ما يجعلنا ننجو من الحياة …. بقطار متهالك لا تعلم هل هذا صوت اصطكاك القضبان أم انهيار جزئي في عربة السبنسه التي لا زالت حلما لم أنله … نعم منذ قالها ” عادل الإمام في الواد سيد الشغال ” وجريت على أبي اسأله ، قال عربة في نهاية القطار يتسلقها الهاربون من ثمن التذكرة ، حلمت بمغامرة أن أكون أحد أفرادها الملتصقين خوف السقوط …
يتكلم البعض عن القطار الجديد و أن هذا المشوار الأخير لقطارنا … ابتسم بسخرية و أرجو أن نعود بسلام و لا يكون الأخير لنا أيضا .
أسير بحذر حتى أصل للباب ، ذاك الباب غير الموجود ، أذكر عندما كسر كنا عائدين من آخر رحلة مع أبي … مذ اكتشفت غيابه أتسلل رفقة مشروب أحضره خصيصا ، لا أحب العصائر الجاهزة ، تشعرني بالغربة ، حتى لو شربتها في بيتي أشعر بالاغتراب ….أشرب و انا بيني وبين الموت انزلاقة يد ، فاليد الأخرى تمسك الكأس … لماذا الكأس …هل لأن أجمل لحظاتنا تكون رفقة مشروب … قهوة … شاي … عصير …كلّ وما يُفَضّل لكن دوما هناك مشروب نتحلق حوله ، أم ليكون الوداع ، أم ليضفي على جنوني بعض الدراما ، وربما لأكون بيد امسك الحياة و بالأخرى المرفوعة أرحب بالموت و أشرب نخبه … الكثير من الأسئلة .. الكثير من العبث الفردي أعيشه هنا على حافة الحياة و قرب الموت الذي يسير تحت قدمي يتبعني كذئب يكفي أن أفلت يدي لأكون بين أنيابه …
تعمد ذاك الغريب أن يصدر صوتا من بعيد ، لكي لا أخاف فافقد توازني و أسقط …
: لم بحرص رغبة البقاء يا فتى …لو جئت بعبثية الموت لكان قدومك مرحب به …عد … لا تقترب .
ضحك و اقترب : ليس من طموحي اليوم قتل سمراء مجنونة … ربما فيما بعد …
قلت سابقا ” لا شيء يغري في الرجال كما الذكاء وخفة الظل ” نعم …تركته يقترب رغبة المزيد منه …
ضاع الكثير من كلامه بين صوت القطار المتهالك و القضبان الصارخة و الرياح و تيهي في عالم عينيه الأزرق …
وحدها جملة ” معذبون في الأرض ” أوقفت رحلتي في عالمه باسم الخجل ، لابد من الرد : نحن هنا لتنفيذ عقوبة آدم …كل ما نستطيع فعله أن نخلق فرص للاستمتاع …وحده الجنون قاربنا للنجاة من الحياة .
كان يقترب … يلتصق بي …للحظة رأيتنا في عربة الهاربون من دفع ثمن التذكرة .