منوعات

واقعة المترو: شهامة أم ترهيب؟

واقعة المترو: شهامة أم ترهيب؟

واقعة المترو: شهامة أم ترهيب؟

بقلم الدكتورة :ايمان علي
في الأيام الأخيرة، أثار فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً في المجتمع المصري. يظهر فيه رجل مسن، يرتدي الزي الصعيدي التقليدي، يواجه فتاة شابة داخل إحدى عربات مترو الأنفاق بالقاهرة، بسبب طريقة جلوسها بوضع ساق على الأخرى أمامه. انفعل الرجل، رفع صوته، ووبخها علناً، معتبراً ذلك عدم احترام لكبار السن وللآداب العامة. انقسم الرأي العام بين من يرى في تصرفه دفاعاً عن التقاليد، ومن يراه تدخلاً غير مبرر يصل إلى حد الترهيب اللفظي.
هذه الواقعة، رغم بساطتها الظاهرية، تفتح الباب واسعاً أمام نقاش أعمق حول ظاهرة العنف ضد المرأة في مصر، التي لا تقتصر على التحرش الجنسي أو الاغتصاب أو القتل، بل تمتد إلى أشكال أخرى أكثر خفاءً وانتشاراً، مثل الترهيب والإهانة العلنية والوصاية غير المبررة على حريات المرأة الشخصية. فالمرأة في مجتمعنا لا تواجه فقط الخطر الجسدي المباشر، بل أيضاً الضغط النفسي اليومي الذي يجعلها تشعر بعدم الأمان في الأماكن العامة، مثل وسائل المواصلات، حيث يتحول مكان عادي إلى ساحة للحسابات الأخلاقية الذاتية.
العنف ضد المرأة ليس مجرد حوادث فردية، بل ظاهرة مجتمعية متجذرة. تقارير رسمية ومنظمات حقوقية تكشف أرقاماً مقلقة: آلاف الحالات سنوياً من التحرش، والعنف الأسري، والقتل على خلفية “الشرف” أو الخلافات الزوجية. أما الترهيب، فهو الوجه الخفي لهذا العنف؛ يبدأ بكلمة حادة أو نظرة تهديدية، وينتهي بإجبار المرأة على تغيير سلوكها خوفاً من المواجهة العلنية أو الإذلال.
هنا يأتي دور الثقافة الصعيدية الأصيلة، التي غالباً ما تُختزل خطأً في مثل هذه المواقف. الرجل الصعيدي الحقيقي، كما نعرفه من تراثنا وتاريخنا، ليس من يرفع صوته على امرأة أو يتطاول عليها، مهما كان السبب. بل هو صاحب الشهامة والمروءة، الذي يحمي المرأة ويحترمها، سواء كانت أخته أو ابنته أو غريبة. في تقاليد الصعيد الأصيلة، الشهامة تعني الدفاع عن الضعيف، لا الضغط عليه. وإذا أخطأت امرأة – كما يخطئ الرجل أيضاً – فالصعيدي الحق يقول: “فين راجلك؟”، موجهاً كلامه إلى ولي أمرها أو زوجها، احتراماً لكرامتها وعدم تعريضها للإحراج العلني. هذا هو الفرق بين الغيرة النبيلة والوصاية الذكورية التي تُمارس أحياناً باسم التقاليد.
الشهامة الصعيدية ليست مجرد كلمات، بل قيم حية: الرجل الصعيدي يُعرف بحماية النساء في قبيلته وبلده، ورفضه أي إساءة لهن، حتى لو كانت من أقرب الناس. هذه الشيمة هي ما يميز أبناء الصعيد، وهي جزء من هويتنا المصرية الأوسع. لكن عندما يُسيء البعض فهم هذه القيم، يتحول الأمر إلى ضغط على المرأة، مما يعزز الشعور بالخوف والترهيب بدلاً من الأمان.
في النهاية، مثل هذه الوقائع تذكرنا بأن مكافحة العنف ضد المرأة تحتاج إلى جهد جماعي: قوانين أكثر صرامة، توعية مجتمعية، وإعادة تأكيد على القيم الأصيلة مثل الشهامة الحقيقية. المرأة ليست بحاجة إلى وصاية، بل إلى احترام وحرية في فضاء عام آمن. وإذا كنا نفتخر بتراثنا الصعيدي والمصري، فلنعده إلى جذوره النبيلة: حماية المرأة، لا ترهيبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى