منوعات

مصر في موسكو.. تحرك استراتيجي يعزز مكانة القاهرة ويعيد رسم آفاق الشراكة الأفريقية الروسية

مصر في موسكو.. تحرك استراتيجي يعزز مكانة القاهرة ويعيد رسم آفاق الشراكة الأفريقية الروسية

مصر في موسكو.. تحرك استراتيجي يعزز مكانة القاهرة ويعيد رسم آفاق الشراكة الأفريقية الروسية

بقلم الأستاذ الدكتور/ فادي مكاوي
أستاذ القانون الجنائي والخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية والأمنية
عضو الجمعية المصرية للقانون الجنائى و و الدولى و التشريع و الاحصاء
تأتي زيارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الروسية موسكو، للمشاركة في أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة، في توقيت بالغ الأهمية، تشهد فيه الساحة الدولية تحولات متسارعة، وتتداخل فيه المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، بما يفرض على الدول ذات الثقل الإقليمي والدولي أن تمتلك رؤية واضحة، وتحركًا دبلوماسيًا قادرًا على حماية مصالحها وتعزيز مكانتها في النظام الدولي.
ولا يمكن قراءة هذه الزيارة باعتبارها مشاركة بروتوكولية في قمة دولية، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها امتدادًا لنهج مصري يقوم على تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز استقلالية القرار الوطني، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، انطلاقًا من إدراك عميق بأن المصالح الوطنية لا تتحقق بالانغلاق، وإنما بالانفتاح الواعي القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
وتكتسب المشاركة المصرية أهمية خاصة في ضوء الدور التاريخي الذي تضطلع به مصر داخل القارة الأفريقية، باعتبارها دولة محورية تمتلك من الثقل السياسي والدبلوماسي والخبرة المؤسسية ما يؤهلها للقيام بدور فاعل في تقريب وجهات النظر، وتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية وشركائها الدوليين. كما أن مشاركة الرئيس السيسي في القمم الروسية الأفريقية الثلاث، منذ قمة سوتشي عام 2019، مرورًا بقمة سان بطرسبرج عام 2023، وصولًا إلى قمة موسكو 2026، تعكس استمرارية الرؤية المصرية وحرص القاهرة على تحويل هذا المسار إلى إطار مؤسسي مستدام للتعاون.
ولعل اللقاء الذي جمع الرئيس السيسي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين يعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وما تتضمنه من ملفات تعاون تتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية، لتشمل الطاقة والصناعة والتجارة والتعليم والصحة والبحث العلمي.
ويأتي مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية في مقدمة هذه المشروعات الاستراتيجية، باعتباره خطوة مهمة في مسار تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الطاقة المصري، إلى جانب مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الذي يحمل فرصًا واعدة لتوطين الصناعة وجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، فضلًا عن تعزيز قدرة مصر على أن تكون مركزًا إقليميًا للإنتاج والتصدير إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
ومن زاوية أخرى، فإن أهمية القمة لا تقتصر على العلاقات المصرية الروسية، بل تمتد إلى مستقبل القارة الأفريقية ذاتها، التي لم يعد مقبولًا أن يظل دورها محصورًا في تصدير المواد الخام، بينما تتجه الاقتصادات الكبرى إلى بناء قواعد صناعية وتكنولوجية متقدمة. ومن هنا جاءت الرؤية المصرية التي طرحها الرئيس السيسي، مرتكزة على خمسة محاور أساسية، تشمل الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، وزيادة التجارة البينية الأفريقية، والتعاون في مجال الطاقة والربط الكهربائي، وتحقيق الأمن المائي والغذائي، وتعزيز التعاون في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي.
وتحمل هذه المحاور رسالة مهمة مفادها أن مستقبل أفريقيا يجب أن يُبنى بأيدي أبنائها، وأن الشراكات الدولية ينبغي أن تكون أداة لتحقيق التنمية ونقل المعرفة وبناء القدرات، لا مجرد وسيلة لتبادل المصالح التجارية قصيرة الأجل.
كما أن اللقاءات التي عقدها الرئيس السيسي مع عدد من القادة الأفارقة، ومن بينهم رئيس مجلس السيادة السوداني ورئيسا كينيا ومالي، تؤكد أن التحرك المصري لا ينفصل عن الاهتمام بقضايا القارة، وفي مقدمتها استعادة الاستقرار، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ودعم الحلول السياسية للأزمات، انطلاقًا من مبدأ أن الأمن الأفريقي مسؤولية مشتركة، وأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في بيئة تعاني من الصراعات والانقسامات.
وفي تقديري، فإن أحد أهم أبعاد هذه الزيارة يتمثل في تأكيد قدرة الدولة المصرية على التحرك في بيئة دولية شديدة التعقيد، دون التفريط في ثوابتها أو مصالحها، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية المختلفة. فالدبلوماسية الناجحة ليست في اختيار محور دولي على حساب آخر، وإنما في امتلاك القدرة على بناء شراكات متعددة، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب الوطنية من خلال الحوار والتفاوض والتعاون.
إن زيارة الرئيس السيسي إلى موسكو تمثل فرصة لتعزيز الحضور المصري في معادلة العلاقات الدولية، وتأكيد أن مصر لا تنظر إلى أفريقيا باعتبارها امتدادًا جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها عمقًا استراتيجيًا ومجالًا حيويًا لمستقبل الأمن والتنمية والاستقرار.
وتبقى القيمة الحقيقية لهذه القمم في قدرتها على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات ملموسة، وفرص عمل، واستثمارات، ونقل للتكنولوجيا، ومكاسب يشعر بها المواطن الأفريقي في حياته اليومية.
فمصر التي تمتلك تاريخًا طويلًا من الحضور الأفريقي والدبلوماسي، تسعى اليوم إلى ترسيخ دورها كجسر للتواصل بين القارات، وشريك فاعل في صياغة مستقبل أكثر توازنًا وعدالة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن قوة مصر ترتبط بقوة محيطها، وأن استقرار أفريقيا وتنميتها يمثلان جزءًا أصيلًا من الأمن القومي المصري.
تحيا مصر دائما و أبدا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى