منوعات

حين يتوقف العقل عن المحاولة… دفاعًا لا كسلًا

حين يتوقف العقل عن المحاولة… دفاعًا لا كسلًا

حين يتوقف العقل عن المحاولة… دفاعًا لا كسلًا

بقلم: د. سماح إبراهيم
أخصائي صحة نفسية واستشاري أسري ونفسي
“صحتنا حياة – معًا لواقع أفضل”
ليس كل من توقّف عن المحاولة فاقدًا للرغبة في النجاح، فهناك من أنهكهم الوجع أكثر مما أرهقتهم الخيبات. في أحيانٍ كثيرة، لا يكون الصمت استسلامًا، بل وسيلة بقاء، حين يتعلّم العقل أن يحمي صاحبه من تجربة الألم مجددًا. ما يُعرف في علم النفس بالعجز المكتسب ليس كسلًا كما يراه البعض، بل هو آلية دفاعية تنشأ بعد تكرار الفشل والخذلان والنقد، حين تبدأ النفس في الاقتناع – دون وعي – أن لا جدوى من المحاولة.
في تلك اللحظة التي يُصبح فيها الجهد مرادفًا للألم، يبدأ الإنسان في تجنّب كل ما قد يوقظه من وجعه القديم. لا لأنه لا يريد النجاح، بل لأن التجربة صارت تهديدًا، والإنجاز أصبح عبئًا. وكأن الروح ترفع الراية البيضاء وتقول في صمت: “كفاية وجع.”
العجز المكتسب لا يعني الكسل، بل هو شكل خفي من معاقبة الذات. البعض لا يصرخ ولا يثور، بل يختار الصمت والعزلة، ويدمّر الفرص عمدًا أو دون وعي، كأنه ينتقم من نفسه حمايةً لها في الوقت نفسه. إنها دائرة مغلقة من الخوف والتبرير والعجز، تجعل أي محاولة للتغيير تبدو كأنها مخاطرة مؤلمة، لا بداية جديدة.
ولكسر هذه الدائرة، لا بد من الاعتراف أولًا بأنك تأذّيت، لا بأنك فاشل. الألم ليس ضعفًا، بل دليل على أنك حاولت، والاعتراف به هو الخطوة الأولى في طريق التعافي. بعدها، يكفي أن تبدأ بخطوة صغيرة، لأن النجاح لا يُقاس بحجمه بل باستمراريته. أحيانًا يكفي أن تنهض في يومٍ ثقيل لتثبت أنك ما زلت قادرًا.
راقب صوتك الداخلي، فالكلمات التي تخاطب بها نفسك تصنع واقعك. بدلًا من قول “أنا مش نافع”، جرب أن تقول “أنا لسه بتعلّم”. اطلب الدعم إن احتجت، فليس في الاحتياج عيب، بل شجاعة في الاعتراف بالإنسانية. وسامح نفسك، لكن لا تتركها غارقة في الركود. التسامح لا يعني تبرير الضعف، بل إعطاء الذات فرصة جديدة للنهوض.
العجز المكتسب ليس مرضًا، بل ندبة نفسية تخبرك أنك تأذّيت، لكنها أيضًا تذكّرك بأنك ما زلت حيًّا، وما زلت قادرًا على الاختيار. ليس كل توقف ضعفًا؛ أحيانًا تحتاج النفس أن تلتقط أنفاسها قبل أن تعود للقتال. اسمح لنفسك أن تهدأ، لكن لا تسمح ليأسك أن يختار عنك الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى