في خضم تسارع الحياة وتغيّر مفاهيم العلاقات الاجتماعية، تبقى بعض الأمثال الشعبية القديمة محتفظة ببريقها ودلالتها العميقة، لأنها ببساطة تُلخّص تجارب أجيال في كلمات قليلة. ومن بين هذه الأقوال الجارية على لسان كثيرين: «النصيب غلّاب والحريم اعتاب»… مقولة تبدو بسيطة، لكنها تحمل بين طياتها فلسفة مجتمع كامل عن القدر، والاختيار، ودور المرأة في بناء البيت.
منذ القدم، آمن المصريون بأن النصيب هو سيد القرار، وأن الإنسان مهما حاول التخطيط لمستقبله، يظل القدر متقدّم خطوة. المثل يؤكد أن ما كُتِب للإنسان سيأتيه مهما تغيّرت الظروف، وأن العلاقات الإنسانية، وخاصة الزواج، تخضع لقدر لا يُهزم ولا يُناقش. ولذلك كان المصري يقولها دائمًا ليُخفّف عن نفسه وعن غيره مرارة التجارب أو صعوبة القرارات: النصيب غلّاب… لا أحد يستطيع أن يهرب من نصيبه.
أما الشطر الثاني من المثل «والحريم اعتاب»، فهو تعبير شعبي قديم يُشير إلى أن المرأة هي باب البيت، الباب الذي يمكن أن يفتح على السعادة والاستقرار، أو على الفوضى والتعب. ليست المقولة تقليلًا من المرأة بقدر ما هي اعتراف شعبي بقيمتها وتأثيرها، فالبيوت تُبنى بإمرأة صالحة حكيمة، وتنهار مع امرأة لا تُدرك مسؤوليتها. ولذلك كان أهل زمان ينظرون إلى الزوجة باعتبارها “عتبة البيت”… إن كانت ثابتة استقام البيت، وإن كانت ضعيفة اختلّ توازنه.
المجتمع اليوم تغيّر، والمرأة أصبحت شريكة حقيقية في العمل، والتعليم، وصناعة القرار. لكن ظلّ دورها داخل الأسرة ثابتًا لا ينقصه الزمن. ولذلك بقي المثل قائمًا، يُذكّر الناس بأن الاختيار مسؤولية، وأن البيت يبدأ من عتبته… من المرأة التي تُدير تفاصيله، وتُربي أجياله، وتبني ثقافته.
وما بين النصيب والاختيار، تبقى الحقيقة واضحة:
أن القدر يكتب السطر الأول… لكن طيبة المرأة، حكمتها، وضميرها هي التي تُكمل الحكاية.