منوعات

القرائن في الإثبات الجنائي من اليقين إلى الاحتمال

القرائن في الإثبات الجنائي من اليقين إلى الاحتمال

القرائن في الإثبات الجنائي من اليقين إلى الاحتمال

بقلم الدكتور :احمد صفوت. السنباطي
تسكن القرينة في قلب الإثبات الجنائي ككائن غامض ومثير للجدل، فهي ليست دليلاً مباشراً يمسك بالجريمة متلبسة، وليست وهماً لا أساس له، بل هي شيء بين، يقف على الحافة الرقيقة بين المنطق والتخمين، بين الاستنتاج الموضوعي والافتراض الذاتي لطالما كانت القرائن سلاحاً ذا حدين في يد القاضي حد يقوده إلى الحقيقة عبر ربط الخيوط المبعثرة، وحد يوقعه في فخ الوهم عبر ربط ما لا يجوز ربطه إنها رحلة فكرية خطيرة ينتقل فيها القاضي من مجموعة من الوقائع الثابتة إلى حقيقة مجهولة، مقتفياً أثر المنطق ومرشداً بالخبرة البشرية، لكنه قد يضل الطريق إذا انزلق قدمه من أرض اليقين إلى مستنقع الاحتمال.
في جوهرها، القرينة هي استدلال قانوني على وقائع مجهولة من وقائع معلومة لكن من أين تأتي سلطة هذا الاستدلال؟ وكيف تتحول ملاحظة بشرية قابلة للخطأ إلى أساس لإدانة قد تذهب بحرية إنسان أو بحياته؟ الإجابة تكمن في ذلك التوازن الهش بين ما هو ثابت وما هو مفترض، بين ما تراه العين وما تستنتجه العقل. فوجود بصمة المتهم على سلاح الجريمة قرينة على حمله له، لكن هل هي قرينة على استعماله في القتل؟ وجوده بالقرب من مسرح الجريمة وقت وقوعها قرينة على علمه بها، لكن هل هي قرينة على مشاركته فيها؟ هنا يبدأ مجال التقدير القضائي الواسع والخطر، حيث تتدخل ثقافة القاضي وخبرته وحدسه، وأحياناً تحيزاته الخفية، لترجيح كفة الاحتمال على أخرى.
المشكلة الأكبر أن الكثير من القرائن التي تبدو للعيان واضحة كالشمس، تخفي في تفاصيلها احتمالات أخرى معاكسة فالهروب بعد الجريمة قد يكون دليلاً على الشعور بالذنب، وقد يكون دليلاً على الخوف من الظلم أو الفزع من المشهد الكذب على المحققين قد يكون محاولة لإخفاء الجرم، وقد يكون خجلاً من كشف حقيقة شخصية لا علاقة لها بالجريمة حتى الاعتراف، وهو أقوى القرائن، قد يكون كاذباً تحت وطأة التعذيب أو الوعد أو المرض النفسي فكيف نفرق بين القرينة الصادقة والقرينة الكاذبة؟ وكيف نحول التردد الاحتمالي إلى يقين قضائي؟
التحدي يتعمق في عصر الجرائم المعقدة، حيث تتحول القرائن إلى قطع متناثرة من أحجية ضخمة في جرائم الإنترنت، قد تكون القرينة مجرد عنوان IP يتقاسمه المئات في الجرائم الاقتصادية، قد تكون تحويلات بنكية معقدة تخفي وراءها نية الاحتيال أو تجارة مشروعة في مثل هذه الحالات، تصبح القرينة أشبه ببوصلة في عاصفة، تشير إلى اتجاه عام ولكنها لا تحدد الهدف بدقة ويعتمد القاضي هنا على شبكة من القرائن المتداخلة، كل واحدة منها ضعيفة بمفردها، ولكنها مجتمعة قد تشكل صورة مقنعة لكن أين هو الحد الذي تتحول عنده مجموعة من الاحتمالات إلى حقيقة قضائية؟ خمس قرائن ضعيفة، هل تصنع يقيناً واحداً قوياً؟ أم أنها تظل خمس احتمالات لا أكثر؟
الخطر الحقيقي يكمن في “القرينة القضائية الجاهزة”، تلك الأفكار المسبقة التي تتسلل إلى عقل القاضي من الثقافة السائدة أو الإعلام أو النمطية الاجتماعية فشاب من حي فقير وجد في مكان جريمة يصبح مشبوهاً بسرعة أكبر من رجل أعمال مرموق أجنبي في بلد غريب يقع تحت دائرة الشك أسرع من مواطن هذه القرائن الاجتماعية الخفية هي أخطر أنواع القرائن، لأنها تعمل في الخفاء، وتلوّن التفكير القضائي بألوان التحيز دون أن يدري صاحبه.
ولا ننسى دور القرينة في التحقيق الأولي، حيث تستخدمها أجهزة التحقيق لتحديد اتجاهات البحث وتركيز الجهود هنا، قد تنقذ قرينة واحدة سليمة وقت التحقيق، وتوجهه نحو الجاني الحقيقي ولكن قرينة خاطئة واحدة قد تدفع بالتحقيق إلى متاهة مظلمة، تضيع الوقت والجهد، وقد تؤدي إلى توجيه التهمة إلى بريء بينما يفلت الجاني الحقيقي إنها مسؤولية ثقيلة على عاتق المحقق، أن يميز من اللحظة الأولى بين الشعرة التي تقود إلى الحقيقة والخيط الذي يقود إلى الضلال.
في قاعة المحكمة، يصبح التعامل مع القرائن فناً قضائياً رفيعاً على القاضي أن يفحص كل قرينة على حدة، فيفككها إلى عناصرها الأولية، يبحث عن ثبوت الوقائع المادية التي تنطلق منها، ثم يتابع مسار الاستدلال خطوة بخطوة، يتساءل في كل منعطف عن البدائل الأخرى الممكنة، عن الاحتمالات المنسية، عن الفجوات المنطقية عليه أن يرفض القرينة التي تقف على قدم واحدة.
القرائن هي عين القاضي عندما تعجز الأدلة المباشرة، الانتقال من اليقين إلى الاحتمال رحلة ضرورية في عالم الإثبات، ولكنها رحلة تتطلب أقصى درجات الحذر والنزاهة الفكرية فاليقين هو ميناء العدالة المنشود، ولكن الطريق إليه بحر من الاحتمالات المتلاطمة، وقاضي اليوم هو ربان سفينة يجب أن يمتلك خريطة المنطق وبوصلة الشك وبصيرة لا تغفل عن أي نجم في سماء الحقيقة في النهاية، القضاء على القرائن ليس انتصاراً للاحتمال على اليقين، بل هو انتصار للفكر المنظم على العشوائية، وللحصافة على التهور، وللعدالة العميقة على ا
لسطحية السريعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى