العلاقات السامّة.. إنذار مبكر لاستنزاف النفس وكيفية النجاة منها
بقلم: الدكتورة رشا زهران
يحتاج الإنسان بطبيعته إلى العلاقات الاجتماعية ليشعر بالأمان والانتماء، فالعلاقات الصحية تمثل مصدر دعم نفسي وعاطفي يساعد الفرد على التوازن والنجاح في مختلف جوانب الحياة. إلا أن بعض العلاقات، وعلى الرغم من بدايتها الجذابة، قد تتحول مع الوقت إلى علاقات سامة ومؤذية تستنزف الطاقة النفسية وتُضعف الثقة بالنفس، سواء كانت هذه العلاقات في نطاق الأسرة أو العمل أو الصداقة أو الارتباط العاطفي.
العلاقات السامة غالبًا ما تقوم على أنماط غير متوازنة من التفاعل، حيث يسودها النقد المستمر، والتقليل من الشأن، وتجاهل المشاعر، والتدخل المفرط في الخصوصيات. وقد يشعر الطرف المتضرر بأنه مراقَب أو مقيَّد أو مطالب دائمًا بتبرير أفعاله، ما يولد لديه حالة من القلق والتوتر الدائمين. ومع مرور الوقت، ينعكس هذا الضغط النفسي على سلوكه وإنتاجيته، فيفقد الحماس ويشعر بالإحباط والعجز عن الإنجاز.
وفي هذا السياق، يوضح اختصاصي الطب النفسي الدكتور منتصر حياري أن العلاقات الصحية تقوم على الاحترام المتبادل والسعي المشترك لتحقيق السعادة للطرفين، حيث يُمنح كل شخص مساحة آمنة للتعبير عن رأيه دون خوف من اللوم أو العقاب النفسي. أما العلاقات السامة، فهي تلك التي يشعر فيها أحد الطرفين أو كلاهما بالتهديد المستمر وعدم الأمان، نتيجة سيطرة طرف على الآخر أو محاولات التملك والأنانية، سواء كانت هذه الممارسات مباشرة أو ملتوية.
ويشير حياري إلى أن الخلافات في بدايات العلاقات أمر طبيعي، وقد تتضمن أحيانًا صراعًا على السيطرة، إلا أن الخطورة تكمن في استمرار هذا السلوك وتحوله إلى نمط دائم. فالإصرار على التحكم في قرارات الطرف الآخر، أو التقليل من قدراته، أو إشعاره بالذنب، كلها مؤشرات واضحة على خلل عميق في العلاقة. كما أن الانفعال الزائد عند النقاش، سواء بالغضب الشديد أو الحزن المبالغ فيه، يدفع الطرف الآخر إلى الصمت والتنازل عن حقه في التعبير، خوفًا من ردود الفعل القاسية.
ويرى مختصون تربويون أن الشخصية المؤذية غالبًا ما تتسم بالتناقض والمراوغة، وقد تبدو ودودة في ظاهرها لكنها تحمل قدرًا كبيرًا من الحقد والفضول والتطفل، وتسعى إلى استنزاف طاقة من حولها نفسيًا. والمتضرر من هذه العلاقات يشعر بضيق داخلي وألم نفسي، وقد يلاحظ أعراضًا جسدية مصاحبة، إضافة إلى رغبة ملحة في الفضفضة للتخفيف من هذا العبء المعنوي.
ومع زيادة الوعي، يبدأ الفرد في إدراك أثر هذه العلاقات على صحته النفسية، فيعيد تقييم دوائره الاجتماعية ويصنف علاقاته بين بناءة ومؤذية. وينصح المختصون بالابتعاد قدر الإمكان عن العلاقات التي تتضمن إيذاءً نفسيًا أو لفظيًا أو جسديًا، ووضع حدود واضحة، وطلب الدعم من أشخاص موثوقين أو مختصين عند الحاجة. فالحفاظ على السلامة النفسية حق أساسي، وبناء علاقات صحية ومتوازنة خطوة ضرورية نحو حياة أكثر استقرارً