منوعات

التقدير الجزافي للإيجار القديم… حين يُكسر الدستور على أبواب المحاكم

التقدير الجزافي للإيجار القديم… حين يُكسر الدستور على أبواب المحاكم

التقدير الجزافي للإيجار القديم… حين يُكسر الدستور على أبواب المحاكم

بقلم الاعلاميه د/ غاده قنديل
ما يحدث اليوم في ملف الإيجار القديم لم يعد خلافًا قانونيًا عاديًا بين مالك ومستأجر، بل تحوّل إلى أزمة سياسية ودستورية مكتملة الأركان، تهدد السلم الاجتماعي وتضرب أحد أهم حقوق الإنسان التي كفلها الدستور المصري: الحق في السكن الآمن.
مشهد حضور مستأجري الإيجار القديم من أبناء الإسكندرية إلى مكتبَي المستشار محمد فهمي والمستشار شريف الجعار ممثلي اتحاد مستأجري الإيجار القديم للطعن على التقدير الجزافي للقيمة الإيجارية، لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل كان صرخة شعب، وانعكاسًا لحالة انهيار إنساني حقيقية، شهدها المكان مع مواطنين عجزوا عن سداد الأجرة الجديدة، لا تهربًا من الالتزام، وإنما عجزًا عن احتمال ما لا يُحتمل.
الدستور المصري في مواده الواضحة لا يسمح بقرارات تُفرض بمعزل عن الواقع الاجتماعي، ولا يقر تشريعًا يُلقي بمواطنين، أغلبهم من كبار السن وأصحاب المعاشات، إلى حافة التشرد. فالدولة — وفق الدستور — ملتزمة بتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الأولى بالرعاية، وليس دفعهم إلى ساحات المحاكم ليُصارعوا من أجل حقهم في البقاء داخل بيوتهم.
التقدير الجزافي للإيجار، دون معايير واضحة أو لجان ميدانية أو تدرج زمني عادل، يُعد مخالفة صريحة لروح الدستور، ويفتح باب الطعن على عدم الدستورية، لأنه يقوم على تحميل طرف واحد ثمن خلل تاريخي لم يكن هو صانعه.
سياسيًا، فإن استمرار هذا النهج يُنذر بأزمة ثقة بين المواطن وصانع القرار، ويطرح تساؤلات خطيرة: هل الإصلاح يُدار بالأرقام فقط؟ أم أن الإنسان ما زال في قلب السياسات العامة؟ وهل يُعقل أن يُطلب من مواطن يتقاضى معاشًا هزيلًا أن يدفع إيجارًا يتجاوز دخله الشهري؟
إننا لا ندافع عن فوضى، ولا نرفض التطوير، لكننا نطالب بتطبيق الدستور لا الالتفاف عليه، وبسياسات إسكانية عادلة تُوازن بين حق المالك وحق المستأجر، دون كسر أحدهما لصالح الآخر.
العدالة لا تُقاس بقوة النص، بل بإنصاف التطبيق، والدولة القوية هي التي تحمي مواطنيها لا التي تُفاجئهم بقرارات فوق طاقتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى