الأمن المائي الشامل استراتيجية متعددة المحاور لمواجهة شح المياه في مصر
بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
تواجه مصر واحدة من أخطر التحديات الوجودية في تاريخها الحديث، حيث يهدد شح المياه باختناق شريان الحياة الذي ظل ينبض لآلاف السنين، فالنيل الذي كان دوماً هبة لمصر أصبح مسرحاً لأزمة معقدة تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية، من تزايد الضغوط السكانية إلى تأثيرات سد النهضة الإثيوبي والتغير المناخي في مواجهة هذا التحدي المصيري، لم تعد الحلول التقليدية كافية، بل نحن بحاجة إلى استراتيجية شاملة ومتعددة المحاور، تتحول بموجبها مصر من دولة تعاني من الشح المائي إلى رائدة في إدارة الموارد المائية، من خلال رؤية تعامل كل قطرة ماء ككنز استراتيجي، وترى في كل تحدٍ فرصة للابتكار.
المحور الأول لهذه الاستراتيجية يجب أن يركز على ثورة في ترشيد الاستهلاك، فليس مقبولاً أن تظل الزراعة تستهلك أكثر من 80% من حصة مصر المائية، بينما يمكن من خلال التحول إلى نظم الري الحديث بالتنقيط والرش، واستبدال المحاصيل الشرهة للمياه مثل الأرز وقصب السكر بمحاصيل بديلة أقل استهلاكاً وأعلى قيمة، توفير مليارات الأمتار المكعبة سنوياً كما أن تطوير شبكات مياه الشرب ومنع التسرب في المدن والقرى يمكن أن يوفر ثروة مائية هائلة تهدر يومياً هذا التحول لا يحتاج إلى تقنيات معقدة فقط، بل إلى حملة توعية وطنية شاملة، تغير ثقافة التعامل مع الماء من كونه مورداً متاحاً بلا نهاية إلى ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها.
أما المحور الثاني، فيتمثل في خلق مصادر مائية جديدة غير تقليدية، حيث يجب أن تتحول مصر إلى دولة رائدة في تحلية مياه البحر، ليس فقط على السواحل الشمالية، بل أيضاً في الصعيد من خلال محطات تحلية تعمل بالطاقة الشمسية، مما يخلق وفرة مائية في المناطق التي طالما عانت من العطش كما أن إعادة استخدام مياه الصرف الصحي والزراعي بعد معالجتها بشكل آمن تمثل كنزاً مهدراً، يمكن أن يروي ملايين الأفدنة ويقلل الضغط على المياه العذبة هذه الحلول لم تعد ترفاً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها الحاجة للبقاء.
المحور الثالث والأكثر جرأة، هو تحويل الأزمة المائية إلى فرصة اقتصادية، من خلال تطوير “اقتصاد المياه”، حيث تصبح مصر مركزاً إقليمياً لتصدير تكنولوجيا الري الحديث، وتقنيات تحلية المياه بالطاقة المتجددة، والخبرات في إدارة الموارد المائية يمكن للمراكز البحثية المصرية أن تطور سلالات جديدة من المحاصيل تتحمل الملوحة والجفاف، وتسوقها لدول العالم التي تعاني من نفس المشكلة كما أن الاستثمار في الزراعات العضوية والمنتجات عالية القيمة التي تستهلك مياهاً أقل يمكن أن يحول التحدي إلى ميزة تنافسية في الأسواق العالمية.
لا يمكن أن تكتمل هذه الاستراتيجية دون محور دبلوماسي مائي قوي، يعيد لمصر دورها التاريخي كلاعب رئيسي في مفاوضات المياه الدولية، من خلال بناء تحالفات إقليمية ودولية، واستخدام كل أدوات القوة الناعمة لضمان تدفق حصتها العادلة من مياه النيل وفي النهاية، الأمن المائي ليس مجرد قضية موارد، بل هو قضية إرادة وطنية، وقدرة على الابتكار، ورؤية استباقية للمستقبل مصر التي بنت أعظم الحضارات على ضفاف النيل، قادرة اليوم على كتابة فصل جديد من تاريخها، يتحول فيه التحدي المائي إلى قصة نجاح تروى للأجيال القادمة