المراسل الزراعى 24

ابتكار مصري يحول أحد مخلفات صناعة الخميرة إلى بديل مستدام للأسمدة البوتاسية المستوردة

ابتكار مصري يحول أحد مخلفات صناعة الخميرة إلى بديل مستدام للأسمدة البوتاسية المستوردة

ابتكار مصري يحول أحد مخلفات صناعة الخميرة إلى بديل مستدام للأسمدة البوتاسية المستوردة

نحو زراعة أكثر استدامة واقتصادًا… من الفكرة إلى الإنجاز
 بقلم الدكتور : محمود مجدي عباس  
المركز القومي للبحوث
في وقت تتزايد فيه تكلفة الأسمدة البوتاسية المستوردة عامًا بعد آخر، ويبحث القطاع الزراعي عن حلول أكثر استدامة وأقل تكلفة، نجح فريق بحثي بالمركز القومي للبحوث في تطوير مركب زراعي مبتكر يعتمد على أحد مخلفات صناعة الخميرة، ليحول هذا المخلف الصناعي إلى بديل اقتصادي وصديق للبيئة للأسمدة البوتاسية التقليدية. ولم يقتصر نجاح الابتكار على خفض تكلفة التسميد، بل امتد إلى تحقيق زيادات ملحوظة في إنتاجية عدد من المحاصيل الاستراتيجية، وصلت في بعض الحالات إلى 69% مقارنة بمعاملات الكنترول.
وتواجه الزراعة المصرية تحديًا مزدوجًا يتمثل في الارتفاع المستمر في أسعار الأسمدة البوتاسية المستوردة وما يترتب عليه من زيادة في تكاليف الإنتاج، إلى جانب الآثار البيئية الناتجة عن تراكم المخلفات الصناعية. ومن هنا جاءت فكرة الابتكار، انطلاقًا من إيمان بأن البحث العلمي قادر على تحويل التحديات إلى فرص، من خلال إعادة توظيف المخلفات الصناعية لإنتاج مركبات زراعية ذات قيمة اقتصادية وبيئية.
ويستند الابتكار إلى مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة تدوير المخلفات وتحويلها إلى منتجات نافعة، بما يقلل من التلوث البيئي، ويرفع القيمة المضافة للموارد المحلية، ويحد من الاعتماد على المنتجات المستوردة، في توافق واضح مع توجهات الدولة نحو تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاقتصاد الأخضر.
ولم تبق الفكرة حبيسة المعمل، بل خضعت لسلسلة من التجارب التطبيقية على عدد من المحاصيل الاقتصادية المهمة، شملت الكتان، والفاصوليا، والكرنب، والخيار، والبطاطس، إلى جانب الباذنجان، والفلفل، والبصل، والبرسيم. وأثبتت النتائج كفاءة المركب في تحسين النمو والإنتاجية، حيث ارتفعت إنتاجية بذور الكتان بنسبة 30%، وإنتاجية قش الكتان بنسبة 25.7% مقارنة بمعاملة الكنترول. كما حقق المركب زيادة في إنتاجية الكرنب بلغت 46.2%، والفاصوليا 69%، والخيار 42.5%، والبطاطس 31.3%، وهي نتائج تعكس قدرة المركب على تحسين إنتاجية محاصيل متنوعة تحت ظروف زراعية مختلفة.
ولم تقتصر النتائج على زيادة كمية المحصول، بل أظهرت التجارب أيضًا تحسنًا في النمو العام وجودة النباتات، مع انخفاض واضح في تكاليف التسميد، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للمركب ويفتح المجال أمام استخدامه على نطاق أوسع.
ومن النتائج اللافتة أيضًا نجاح استخدام المركب مع نبات الفاصوليا، إذ أظهرت التجارب أن نقع البذور في تركيزات محددة من المركب لمدة ثلاث ساعات قبل الزراعة أدى إلى تكوين عقد جذرية فعالة، وحقق نتائج متميزة عند مقارنته بمعاملة الكنترول التي استخدم فيها لقاح الريزوبيوم التجاري. وتشير هذه النتائج إلى وجود إمكانات واعدة للمركب في تحفيز تكوين العقد الجذرية وتعزيز التثبيت الحيوي للنيتروجين، وهو ما يستحق المزيد من الدراسات التطبيقية على نطاق أوسع.

ولم يقتصر تميز الابتكار على نتائجه الزراعية، بل امتد إلى الجانب الاقتصادي، وهو أحد أهم عناصر قوته. فقد بلغت تكلفة إنتاج طن المركب نحو 7 آلاف جنيه فقط، بينما يتراوح سعر طن الأسمدة البوتاسية المستوردة بين 42 و45 ألف جنيه، أي أن تكلفة إنتاج المركب لا تمثل سوى جزء بسيط من تكلفة السماد المستورد. ومن شأن ذلك أن يسهم في خفض تكاليف الإنتاج الزراعي، وتقليل الأعباء المالية على المزارعين، والحد من فاتورة استيراد الأسمدة البوتاسية، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويوفر العملة الأجنبية.
كما يحقق المركب بعدًا بيئيًا مهمًا، إذ يعتمد على إعادة تدوير أحد مخلفات صناعة الخميرة وتحويله إلى منتج زراعي عالي القيمة، بما يقلل من المخلفات الصناعية ويجسد مفهوم الاقتصاد الدائري، ويعزز الاستدامة البيئية والاقتصادية في الوقت نفسه.
وقد حظي هذا الابتكار بتقدير لجنة التحكيم في المبادرة الوطنية لدولة الابتكار الزراعي، حيث كان ضمن الابتكارات الفائزة في مؤتمر “الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026″، بعد منافسة ضمت 180 مشروعًا من الجامعات والمراكز البحثية والشركات الناشئة والباحثين وطلاب الجامعات من مختلف محافظات الجمهورية، ليكون من بين 40 ابتكارًا فقط تأهلت للفوز على مستوى الجمهورية.
ويمثل هذا الإنجاز خطوة مهمة نحو توطين تكنولوجيا إنتاج بدائل محلية للأسمدة المستوردة، والاستفادة من المخلفات الصناعية في إنتاج مدخلات زراعية ذات قيمة مضافة. كما يعكس الدور المحوري للبحث العلمي في تقديم حلول عملية للتحديات التي تواجه القطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي، ودعم الاقتصاد الوطني، وتحقيق أهداف رؤية مصر 2030 في مجالات التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر.
إن مستقبل الزراعة لن يعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل على الابتكار، وحسن استغلال الموارد، وتحويل التحديات إلى فرص. ويقدم هذا الابتكار نموذجًا عمليًا لكيفية توظيف البحث العلمي لخدمة المزارع المصري، وتقليل الاعتماد على المستورد، وبناء منظومة زراعية أكثر كفاءة واستدامة، انطلاقًا من موارد محلية وحلول وطنية قادرة على المنافسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى