منوعات

«أبي.. 40 عامًا من الغربة لم تكفِه».. رجلٌ منحنا عمره، ومازال يمنحنا ما تبقّى منه

«أبي.. 40 عامًا من الغربة لم تكفِه».. رجلٌ منحنا عمره، ومازال يمنحنا ما تبقّى منه

 

«أبي.. 40 عامًا من الغربة لم تكفِه».. رجلٌ منحنا عمره، ومازال يمنحنا ما تبقّى منه

 حمد الترهوني يكتب..
هناك حكايات لا تحتاج إلى مؤلف ينسج أحداثها من الخيال، ولا إلى مخرج يبحث عن مشاهد مؤثرة كي يخطف بها قلوب المشاهدين؛ لأن الحياة نفسها كتبت تفاصيلها بالدموع والتعب والحرمان، وسطر أبطالها فصولها بعرقهم وصبرهم وتضحياتهم. حكايات لو عُرضت على شاشة التلفزيون، لربما احتاجت إلى عشرات الحلقات حتى يستطيع المشاهد أن يستوعب حجم ما تحمله أصحابها من مشقة، وما قدموه من تضحيات، وما أخفوه خلف ابتساماتهم من آلام لا يعلمها إلا الله.
لكن ماذا لو كان بطل هذه الحكاية أبًا مصريًا بسيطًا، لم يبحث عن شهرة، ولم ينتظر تكريمًا، ولم يطلب من الحياة سوى أن يرى أبناءه سعداء، وأن يطمئن على مستقبلهم، وأن يمنح أحفاده ما يستطيع من الأمان والراحة؟ ماذا لو كان هذا الأب قد بدأ رحلة الغربة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، في الوقت الذي يبدأ فيه الإنسان عادةً بناء أحلامه، ويبحث عن الاستقرار، ويتطلع إلى أن يعيش شبابه بين أسرته وأحبائه؟ ثم استمرت رحلته حتى بلغ الخامسة والستين، أربعون عامًا كاملة من الغربة والعمل والكفاح، ومع ذلك لم تتوقف رحلة عطائه، ولم تنطفئ رغبته في أن يقدم المزيد من أجل أسرته.
إنه والدي، الحاج صالح كريم عبدالمجيد الرجل الذي علمني أن الأبوة ليست مجرد كلمة تُقال، ولا مسؤولية تنتهي بتوفير الطعام والشراب، بل هي عمر يُمنح، وصحة تُستهلك، وأحلام قد يؤجلها الأب سنوات طويلة، وربما يتنازل عنها تمامًا، حتى يرى أبناءه في المكان الذي يتمنى لهم الوصول إليه.
أربعون عامًا من الغربة.. من الخامسة والعشرين إلى الخامسة والستين!
تخيلوا معي إنسانًا يغادر وطنه وأهله في الخامسة والعشرين من عمره، وفي قلبه أحلام شاب يتمنى أن يعيش حياته كما يريد، لكنه يقرر أن يضع أحلامه جانبًا، وأن يسلك طريقًا أكثر مشقة؛ لأن هناك أسرة تنتظره، وأبناء يحتاجون إلى الرعاية، ومستقبلًا يريد أن يؤمّنه لهم مهما كانت التضحيات.
هكذا كانت رحلة أبي، الحاج صالح، الذي قضى قرابة أربعين عامًا من عمره مغتربًا، يحمل هموم أسرته معه أينما ذهب، ويواجه صعوبات الحياة بعيدًا عن دفء بيته، وعن الوجوه التي يحبها، وعن التفاصيل الصغيرة التي لا يعرف قيمتها الحقيقية إلا من حُرم منها.
أربعون عامًا ليست مجرد رقم نكتبه في مقال، وليست فترة زمنية عابرة يمكن اختصارها في سطور قليلة؛ إنها سنوات من العمر، وأيام من الشوق، ومناسبات ربما مرت بعيدًا عن الأهل، ولحظات كان يحتاج فيها إلى الراحة، لكنه كان يفكر في احتياجات أسرته قبل احتياجاته الشخصية.
كم مرة شعر بالتعب ولم يتحدث؟ وكم مرة احتاج إلى أن يستريح، ثم وجد نفسه مطالبًا بمواصلة العمل؟ وكم مرة كان يستطيع أن يختار الطريق الأسهل، لكنه فضّل الطريق الأصعب لأن سعادة أبنائه كانت بالنسبة إليه أغلى من راحته؟
لا أملك إجابة عن كل هذه الأسئلة، لكنني أعرف أن وراء كل عام من أعوام الغربة حكاية، ووراء كل تضحية حلمًا مؤجلًا، ووراء كل جنيه أنفقه علينا سنوات من العمل والجهد والصبر.
الأب الذي لم تنتهِ رسالته عند تربية أبنائه
قد يعتقد البعض أن مسؤولية الأب تنتهي عندما يكبر أبناؤه، ويصبحون قادرين على الاعتماد على أنفسهم، لكن بعض الآباء لا يعرفون معنى التوقف عن العطاء. يظلون ينظرون إلى أبنائهم باعتبارهم مسؤوليتهم التي لا تنتهي، ويشعرون بالسعادة حين يستطيعون مساعدتهم، حتى لو كان ذلك على حساب راحتهم.
وهذا ما يجعلني أتوقف طويلًا أمام حكاية أبي، فبعد أن أمضى سنوات عمره في الغربة، وبعد أن وصل إلى الخامسة والستين، لم يتعامل مع ما قدمه باعتباره رصيدًا من التضحيات يستحق أن يرتاح بعده، بل ما زال يجتهد ويتعب، وكأن قلب الأب لا يعرف حسابات العمر، وكأن راحة أبنائه وأحفاده لا تزال هدفًا يستحق أن يبذل من أجله المزيد.
أنا اليوم لا أتحدث عن رجل يبحث عن المقابل، ولا عن أب ينتظر أن يرد أبناؤه له ما قدمه؛ فأعظم ما في حكاية الحاج صالح أنه يمنح من قلبه، ويعطي بدافع الحب، ويسعى إلى إسعادنا أنا وأولادي دون أن يجعل عطائه دينًا يطالبنا بسداده.
إنه ذلك النوع من الآباء الذين لا يقيسون سعادتهم بما يملكون لأنفسهم، بل بما يستطيعون أن يمنحوه لمن يحبون. قد يتعب جسده، لكن قلبه يظل مشغولًا بنا، وقد تمر السنوات، لكن إحساسه بالمسؤولية لا يتراجع، وكأن الأبوة عهد قطعه على نفسه منذ اليوم الأول ولم يفكر يومًا في التخلي عنه.
أنا وأولادي.. امتداد الحلم الذي عاش أبي من أجله
حين أنظر إلى أولادي، أفكر كثيرًا في أبي، وأتساءل كيف يمكن لرجل أن يحمل كل هذا الحب في قلبه؟ كيف يستطيع أن يرى سعادة أبنائه وأحفاده امتدادًا لسعادته الشخصية؟ وكيف يمكن لإنسان أن يقضي معظم سنوات عمره في العمل والغربة، ثم يظل مستعدًا لبذل المزيد من أجل أن يرى من يحبهم في أفضل حال؟
أدرك اليوم أن ما يفعله أبي ليس مجرد مساعدة عائلية، بل رسالة حب تتوارثها الأجيال. فهو لا يمنحني أنا وحدي، وإنما يزرع في أبنائي معنى أن يكون لهم جدّ يحبهم، ويخاف عليهم، ويسعى إلى إسعادهم، ويشعر بأن فرحتهم جزء من فرحته.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الأب لأبنائه ليس المال وحده، ولا الممتلكات، ولا ما تجمعه السنوات من أشياء مادية؛ بل أن يترك في قلوبهم ذكرى رجل لم يتخلَّ عنهم، ولم يتأخر عن مساندتهم، وظل حاضرًا في تفاصيل حياتهم حتى حين كانت المسافات تفصل بينه وبينهم.
أريد لأولادي أن يكبروا وهم يعرفون قيمة هذا الرجل، وأن يدركوا يومًا أن وراء كثير من لحظات راحتهم قلبًا تعب طويلًا، ووراء كثير من ابتساماتهم سنوات من الكفاح، وأن جدهم الحاج صالح لم يكن يبحث عن تصفيق الناس، بل كان يريد أن يطمئن إلى أن أبناءه وأحفاده بخير.
هل تحتاج حكاية أبي إلى مسلسل؟
أحيانًا أسأل نفسي: لو قرر أحد المخرجين أن يحوّل حكاية أبي إلى مسلسل تلفزيوني، فكم حلقة سيحتاج حتى يروي تفاصيلها؟
هل تكفي ثلاثون حلقة لعرض أربعين عامًا من الغربة؟ أم يحتاج الأمر إلى أجزاء متعددة، تبدأ بشاب في الخامسة والعشرين يغادر وطنه بحثًا عن الرزق، ثم تتابع رحلة رجل يواجه تحديات الحياة عامًا بعد عام، وصولًا إلى الخامسة والستين، حين يظن المشاهد أن الحكاية اقتربت من نهايتها، ليفاجأ بأن البطل ما زال يعمل ويجتهد من أجل أبنائه وأحفاده؟
وماذا سيكتب المؤلف عن ليالي الغربة؟ وكيف سيصوّر المخرج لحظات الحنين إلى الوطن؟ ومن سيؤدي دور الأب الذي يخفي تعبه حتى لا يقلق أبناؤه؟ وكيف يمكن لممثل أن يجسد شعور رجل يرى أن سعادة أسرته تستحق كل ما يقدمه؟
ربما يستطيع المسلسل أن يرسم المشاهد، وأن يصنع حوارًا مؤثرًا، وأن يختار موسيقى حزينة تجعل المشاهدين يبكون، لكنه لن يستطيع أن ينقل بكل صدق إحساس أب حقيقي عاش هذه السنوات، ولا أن يعيد إلينا الأيام التي قضاها بعيدًا عن أسرته، ولا أن يشرح بالكامل ما يدور داخل قلب رجل لا يزال يعطي رغم مرور العمر.
فالمسلسلات تنتهي عند الحلقة الأخيرة، وتظهر أسماء الممثلين على الشاشة، ويغادر المشاهد مكانه، لكن حكاية أبي لا تزال مستمرة، وفصولها لم تُكتب نهايتها بعد.
رسالة إلى أبي.. يا حاج صالح، ماذا يمكنني أن أقول لك؟
أبي الحبيب، لا أعرف إن كانت الكلمات قادرة على رد جزء ولو بسيط من حقك، ولا أعلم كيف يمكنني أن أختصر أربعين عامًا من الغربة في مقال، أو أن أضع كل ما أشعر به تجاهك في بضعة أسطر.
كل ما أعرفه أنني كلما كبرت، أدركت أكثر حجم ما قدمته، وكلما فكرت في أولادي، فهمت جانبًا جديدًا من معنى الأبوة، وكلما رأيتك تواصل العمل والاجتهاد من أجلنا، شعرت أن هناك أشياء لا يستطيع الإنسان أن يردها مهما فعل، وأن بعض الديون لا تُقاس بالمال، بل بالحب والوفاء والدعاء.
أنت لم تمنحني سنوات من عمرك فحسب، بل منحتني درسًا سيظل يرافقني طوال حياتي: أن الأب الحقيقي لا يتوقف عن الحب حين يكبر أبناؤه، ولا يتراجع عن العطاء حين تتقدم به السن، ولا يحتاج إلى أن يتحدث كثيرًا عن تضحياته؛ لأن أفعاله تقول كل شيء.
أتمنى أن يأتي اليوم الذي أراك فيه مرتاح القلب، مطمئن النفس، سعيدًا بما قدمت، وأن تشعر أن كل خطوة تعبت فيها لم تذهب هباءً، وأن أبناءك وأحفادك يعرفون جيدًا قيمة ما فعلته من أجلهم.
أدعو الله أن يمنحك الصحة والعافية، وأن يطيل عمرك في الخير، وأن يعوضك عن كل لحظة تعب، وكل يوم غربة، وكل أمنية أجلتها من أجلنا، وأن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتك.
الخاتمة.. بعض الآباء لا تروي حكاياتهم الشاشات، بل تحفظها القلوب
هذه ليست حكاية رجل عاش أربعين عامًا في الغربة فحسب، بل حكاية أب اختار أن يجعل من عمره جسرًا يعبر عليه أبناؤه نحو حياة أفضل، وأن يجعل من تعبه وسيلة لراحتهم، ومن صبره سندًا لهم، ومن حبه مظلة تحميهم مهما تغيرت الأيام.
إنه الحاج صالح، أبي الذي لا أستطيع أن أوفيه حقه مهما كتبت، والذي أرى في حكايته معنى الوفاء الحقيقي، ومعنى أن يظل الإنسان يعطي دون أن يسأل متى تنتهي مسؤوليته.
ولو سألني أحدهم: كم حلقة تحتاج حكاية أبي كي تتحول إلى مسلسل؟
سأقول له: ربما تحتاج إلى مئات الحلقات، وربما لا تكفيها كل شاشات الدنيا؛ لأن أربعين عامًا من التضحية لا تختصرها المشاهد، وقلب الأب لا يحيط به السيناريو، والحب الذي يقدمه رجل لأبنائه وأحفاده أكبر من أن تنهيه الحلقة الأخيرة.
فبعض الحكايات تُكتب لتُشاهد، وبعضها يُكتب ليبقى شاهدًا على أن أعظم أبطال الحياة قد لا يعرفهم الجمهور، لكن أبناءهم يعرفون جيدًا أنهم عاشوا من أجلهم.
أبي الحاج صالح.. دمت لي سندًا، ولأولادي جدًّا حنونًا، ولبيتنا قلبًا لا يتوقف عن العطاء. حفظك الله لنا، وجزاك عنا خير الجزاء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى