منوعات

من يقود الركب الدولي في زمن الاضطراب

من يقود الركب الدولي في زمن الاضطراب

من يقود الركب الدولي في زمن الاضطراب

بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض
في عالم تتزعزع فيه اليقينيات وتتهاوى الثوابت، يبرز سؤال مصيري يتردد في أروقة الدبلوماسية وقاعات الفكر الاستراتيجي من يقود الركب الدولي في هذا الزمن المضطرب؟ لقد غادرنا زمن القائد الوحيد الذي لا ينازع، وصرنا نعيش في حقبة الضبابية الاستراتيجية، حيث تتصارع قوى عديدة على قيادة العالم، دون أن تنجح أي منها في حسم الأمر لصالحها لقد تراجعت الهيمنة الأمريكية التي سيطرت على النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، لكن لم تبرز بعد قوة واحدة قادرة على أن تحل محلها، مما خلق فراغاً في القيادة العالمية ينذر بفترة من الفوضى وعدم الاستقرار.
الولايات المتحدة، التي قادت العالم لأكثر من سبعة عقود، لم تعد تملك الإرادة أو الموارد للحفاظ على دور الشرطي العالمي فقد أنهكتها الحروب الطويلة في أفغانستان والعراق، واستنزفها الاستقطاب السياسي الداخلي، وأرهقها صعود منافسين جدد لكن انسحاب أمريكا النسبي من الساحة الدولية لم يخلق فراغاً فقط، بل فتح الباب أمام قوى أخرى لتطالب بدور أكبر الصين تقدم نفسها كبديل طموح، مستندة إلى قوتها الاقتصادية الهائلة وطموحاتها الجيوسياسية المتصاعدة، لكنها تفتقر إلى الجاذبية الناعمة والقدرة على بناء تحالفات واسعة روسيا تعمل كمفسد للنظام الدولي، مستخدمة أدوات الطاقة والعسكر لتقويض النفوذ الغربي، لكنها تبقى قوة إقليمية محدودة التأثير عالمياً الاتحاد الأوروبي، رغم قوته الاقتصادية، يعاني من انقسامات داخلية تمنعه من أن يكون لاعباً موحداً وفاعلاً في المعادلة الدولية.
في هذا المشهد المعقد، تبرز قوى إقليمية متوسطة تطالب بدور في تشكيل النظام العالمي الجديد الهند تعيد تعريف نفسها كقوة لا يمكن تجاهلها، مستفيدة من نموها الديموغرافي والاقتصادي تركيا تتصرف كلاعب إقليمي مستقل، تناور بين المعسكرات المختلفة حتى الدول الصغيرة، من خلال تحالفاتها الذكية وقدرتها على استغلال التنافسات الكبرى، أصبحت قادرة على لعب دور في المعادلة الدولية لكن هذه التعددية في مراكز القوة، رغم أنها تعكس واقعاً أكثر ديمقراطية في العلاقات الدولية، إلا أنها تخلق نظاماً عالمياً أكثر تعقيداً وأصعب إدارة ففي غياب القائد الوحيد، تصبح عملية صنع القرار الدولي أكثر صعوبة، سواء في مواجهة الأوبئة العالمية، أو معالجة قضية التغير المناخي، أو إدارة الأزمات الإقليمية.
الأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ في القيادة الدولية يخلق بيئة خصبة للفوضى، حيث تتصارع القوى الإقليمية دون رادع، وتنتعش الجماعات المسلحة غير الحكومية، وتتفاقم الأزمات الإنسانية دون وجود من يتحمل مسؤولية حلها لقد أصبحت الأمم المتحدة، التي كان من المفترض أن تكون المنصة العالمية لإدارة الشؤون الدولية، عاجزة بسبب الفيتو والانقسامات بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن مجموعة العشرين، رغم أنها تعكس واقعاً متعدد الأقطاب، تفتقر إلى الآليات الفعالة لاتخاذ قرارات ملزمة.
في الختام، يبدو أن العالم مقبل على فترة انتقالية طويلة، لن تكون فيها القيادة أحادية، بل ستكون قيادة جماعية هشة، تتصارع فيها الرؤى والمصالح المختلفة السؤال الحقيقي ليس من سيقود الركب، بل هل ستستطيع هذه القوى المتعددة تطوير آليات للتعاون وإدارة الخلافات، أم أن العالم سينزلق إلى فوضى شاملة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير النظام الدولي للقرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى