منوعات

السيادة على المياه العابرة للحدود حين تصبح مشاريع السدود سلاحاً للابتزاز السياسي

السيادة على المياه العابرة للحدود حين تصبح مشاريع السدود سلاحاً للابتزاز السياسي

السيادة على المياه العابرة للحدود حين تصبح مشاريع السدود سلاحاً للابتزاز السياسي

بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض
في عالم تتفاقم فيه أزمة المياه يوماً بعد يوم، لم تعد الأنهار مجرد شرايين حياة تنقل المياه العذبة من المنابع إلى المصبات، بل تحولت إلى ساحات صراع خفية حيث تتحول قطرة الماء إلى رصاصة والسيادة المائية إلى سلاح للضغط والابتزاز لقد أصبحت المياه العابرة للحدود، التي تربط دول المنبع بدول المصب، مصدراً للتوترات الدولية التي تهدد الاستقرار الإقليمي وتكشف عن وجه جديد من وجوه الصراع على الموارد في هذا المشهد المعقد، تبرز مشاريع السدود العملاقة ليس فقط كمشاريع تنموية تهدف إلى توليد الكهرباء وتوفير مياه الري، بل كأدوات جيوسياسية فعالة في يد دول المنبع، تمتلك القدرة على خنق دول المصب وتحويل أنهار الحياة إلى أدوات عقاب جماعي.
تقدم إثيوبيا نموذجاً صارخاً لهذه المعادلة الخطيرة، فخلف الادعاءات الرسمية بأن سد النهضة هو مشروع تنموي بحت لتوليد الكهرباء، تكشف القراءة المتعمقة عن لعبة جيوسياسية محكمة فمن خلال السيطرة على منبع النيل الأزرق، المصدر الرئيسي لمياه النيل، تمتلك إثيوبيا الآن القدرة على التحكم في تدفق المياه إلى السودان ومصر، الدولتين اللتين تعتمدان شبه كلياً على مياه النيل هذا التحول في ميزان القوى المائية لم يعد مجرد تهديد نظري، بل أصبح واقعاً ملموساً يهدد الأمن القومي لمصر، بلد يعيش أكثر من 95% من سكانه على شريط ضيق من الأرض لا تتعدى مساحته 4% من إجمالي مساحته، ويعتمد في زراعته وتصنيعيه وشربه على نهر هو شريان حياته الوحيد إن ملء خزان السد دون اتفاق ملزم يضمن تدفقاً مستقراً للمياه يعني ببساطة تجفيفاً بطيئاً لمصر، وتحويلها من دولة مستقلة إلى رهينة بيد سياسة إثيوبيا المائية.
لكن هذه الظاهرة لا تقتصر على وادي النيل، ففي الشرق الأوسط، تستخدم تركيا مياه دجلة والفرات كورقة ضغط ضد سوريا والعراق، حيث تؤثر سدودها العملاقة مثل سد أتاتورك على تدفق المياه إلى الجارين الجنوبيين، مما يتسبب في جفاف الأراضي الزراعية ونزوح المزارعين إلى المدن وفي آسيا، تتحكم الصين من خلال سدودها الضخمة على نهر الميكونغ في تدفق المياه إلى لاوس وكمبوديا وفيتنام وتايلاند، مما يهدد الأمن الغذائي لملايين البشر ويعطل النظم البيئية الهشة هذه السيطرة على المياه لا تمارس فقط في أوقات الصراع المباشر، بل أصبحت أداة دبلوماسية يومية، حيث ترفع حصص المياه أو تخفضها، تبطئ التدفق أو تسرعه، وفقاً لمواقف الدول السياسية ودرجة استجابتها لمطالب دول المنبع.
الأخطر من ذلك أن هذه الصراعات المائية تتفاقم بسبب تغير المناخ، حيث تزداد ندرة المياه وتتصاعد حدة المنافسة عليها في الماضي، كانت المياه قضية تنموية بحتة، أما اليوم فقد أصبحت قضية أمن قومي بامتياز، حيث يمكن لدولة أن تخوض حرباً دون إطلاق رصاصة واحدة، فقط من خلال التحكم في محابس المياه إن القانون الدولي، وخاصة اتفاقيات المياه العابرة للحدود، يبدو عاجزاً أمام إرادة دول المنبع، حيث ترفض العديد منها التوقيع على اتفاقيات ملزمة أو تنفيذ أحكام المحاكم الدولية، معتمدة على حقها “السيادي” في استغلال مواردها الطبيعية، متجاهلة حقوق الدول الأخرى في الحصول على حصص عادلة من المياه في هذا العالم الجديد، حيث تتحول المياه إلى سلاح، لم تعد الحروب تحتاج إلى دبابات وطائرات، بل أصبح بإمكان دولة أن تفرض إرادتها على أخرى من خلال تحويل مجرى نهر أو احتجاز مياهه السؤال الآن؟ هل سننتظر حتى تندلع حرب مياه مفتوحة لندرك أن الأمن المائي ليس ترفاً، بل هو شرط أساسي لاستمرار الحياة نفسها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى