منوعات

عندما يعلو قانون العشيرة على قانون الدولة

عندما يعلو قانون العشيرة على قانون الدولة

عندما يعلو قانون العشيرة على قانون الدولة

مقال: عمر الجلعوط
في كل مجتمعٍ يمرّ بمرحلة ضعف أو ارتباك في مؤسساته، يظهر صوتٌ آخر ينافس صوت القانون، هو صوت العشيرة. وحين ترتفع هذه الأصوات فوق صوت الدولة، نكون أمام معادلة مقلوبة، تُختبر فيها هيبة القانون ومفهوم العدالة.
قانون العشيرة ليس في ذاته شراً مطلقاً، فقد كان في زمنٍ مضى شكلاً من أشكال التنظيم الاجتماعي الذي يحفظ الأمن ويمنع الفوضى حين لم تكن هناك دولة قوية أو مؤسسات عدلية. لكن الخطر يبدأ حين تتحوّل هذه الأعراف إلى سلطةٍ تتقدّم على الدولة وتفرض أحكامها خارج النظام القضائي، فتضعف بذلك فكرة المواطنة ويُستبدل مبدأ العدالة بالمجاملة أو الهيبة العشائرية.
عندما يُقتل إنسانٌ في دولةٍ حديثة، يجب أن يكون القصاص بيد القضاء، لا بيد مجموعةٍ من الرجال يجتمعون في مضيف. وعندما يقع نزاع، يفترض أن يُحلّ وفق القانون الذي شرّعته الدولة، لا وفق “الگعدة” التي تحكمها المصالح والمكانة. فحين تُدار الأمور بهذه الطريقة، تُصاب العدالة بالعمى، ويُظلم الضعيف مرتين: مرة لأنه لا عشيرة قوية تحميه، ومرة لأن القانون الذي وُجد ليحميه صار معطلاً.
السبب في علوّ قانون العشيرة هو ضعف الدولة نفسها، إما بسبب الفساد، أو بطء القضاء، أو غياب الثقة في الأجهزة الرسمية. وعندما يفقد المواطن إيمانه بعدالة مؤسسات بلده، يبحث عن بديلٍ أقرب إليه حتى لو كان ناقصاً أو جائراً.
إن علاج هذه الظاهرة لا يكون بالصدام مع العشائر، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبأن يرى الناس بأعينهم أن القانون يطبق على الجميع بعدلٍ وسرعة، وأن الدولة لا تفرّق بين شيخٍ كبير ومواطنٍ بسيط.
فحين تستعيد الدولة هيبتها، سيعود العرف إلى مكانه الطبيعي: مكمّلاً للقانون لا بديلاً عنه.
إن علوّ قانون الدولة هو المقياس الحقيقي للحضارة، وهو الذي يصنع الاستقرار والطمأنينة في النفوس. أما إذا بقيت الأعراف تتقدّم على الدستور، فسنبقى أسرى الماضي مهما تغيّرت الأشكال والشعارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى