منوعات
حين يتحول الاحتياج العاطفي إلى استغلال.. متى ينتهي العلاج ويبدأ التجاوز؟
حين يتحول الاحتياج العاطفي إلى استغلال.. متى ينتهي العلاج ويبدأ التجاوز؟
حين يتحول الاحتياج العاطفي إلى استغلال.. متى ينتهي العلاج ويبدأ التجاوز؟
بقلم دكتورة نيفين عاطف
إحنا بنروح للدكتور النفسي وإحنا في أضعف حالاتنا، بنحكيله أسرارنا، وخوفنا، ووحدتنا، واحتياجنا للحب والاهتمام، وبنثق فيه لأنه متخصص وعنده معرفة، والمفروض إن مكانه يكون آمنًا. لكن أحيانًا قد يستغل بعض المعالجين الثقة دي، ويدخلوا من باب الجوع العاطفي للوصول إلى تعلق أو علاقة عاطفية أو جنسية. وهنا لازم نسأل: إيه الفرق بين التعاطف العلاجي والتعلق؟ وإيه الفرق بين القرب المهني والاستغلال؟ وإزاي نعرف إن اللي بيحصل علاج حقيقي ولا تعدٍّ للحدود؟
المعالج النفسي عنده سلطة كبيرة على المريض، لأنه مش بس متخصص، لكنه كمان عارف نقاط ضعفه وأسراره واحتياجاته. والمريض ممكن يتعلق بالمعالج لأنه أول شخص يسمعه من غير ما يحكم عليه، أو لأنه بيحس معاه بالأمان والاهتمام. وده ممكن يكون جزءًا طبيعيًا من العملية العلاجية، ويُعرف بالتعلق العلاجي أو التحويل. لكن مسؤولية المعالج إنه يفهم المشاعر دي ويحافظ على الحدود، وما يستغلهاش.
العلاج له إطار واضح: مواعيد محددة، ومكان مهني، وأهداف علاجية، وسرية، وحدود واضحة. أما التعلق فهو شعور ممكن يظهر عند المريض، مثل إنه يفكر في المعالج كثيرًا أو يشعر إنه الشخص الوحيد اللي فاهمه. وجود الشعور نفسه مش معناه إن المريض غلطان، لكن دور المعالج إنه يتعامل معاه بشكل مهني، ويفسره داخل الجلسة، مش إنه يستجيب له أو يشجعه. أما الاستغلال فيظهر عندما يستخدم المعالج سلطته أو معرفته بأسرار المريض لتحقيق مصلحة شخصية أو عاطفية أو جنسية.
ومن علامات تعدي الحدود أن يطلب المعالج علاقة سرية، أو يقول: «ما تحكيش لحد اللي بينا»، أو يبدأ في إرسال رسائل شخصية، خصوصًا في أوقات متأخرة، أو يشارك المريض تفاصيل عاطفية تجعله يشعر بأنه مسؤول عنه. ومن العلامات أيضًا المغازلة، أو التعليق على الشكل والجسد بطريقة غير مهنية، أو اللمس من غير ضرورة واضحة وموافقة صريحة، أو عبارات مثل: «إنتِ مختلفة عن كل مرضاي» أو «أنا الوحيد اللي فاهمك». كذلك طلب مقابلات خارج العيادة أو هدايا أو أموال إضافية، أو استخدام التهديد والضغط، كلها أمور تستحق التوقف والانتباه.
العلاقة العاطفية أو الجنسية ليست علاجًا، حتى لو شعر المريض بالحب أو أعلن موافقته، لأن هناك فجوة في القوة والخبرة والاعتماد النفسي بين الطرفين. والمعالج المسؤول لا يستغل مشاعر المريض، بل يساعده على فهمها وحمايته من أي قرار قد يضره.
وفي المقابل، ليس كل اهتمام أو تعاطف من الطبيب استغلالًا. المعالج ممكن يكون إنسانيًا، يسمعك باهتمام، ويطمئنك ويحترمك، لكن الفرق في الحدود. الدفء المهني شيء، وتحويل العلاقة إلى احتياج شخصي شيء آخر تمامًا.
ومن المهم قبل اختيار المعالج معرفة مؤهله وتخصصه وترخيصه أو تسجيله المهني، ونوع العلاج، وتكلفة الجلسات، وسياسة السرية، وحدود التواصل خارج الجلسات. وإذا شعر المريض بوجود استغلال، فمن حقه أن يوقف التواصل الشخصي، أو يغير المعالج، ويحتفظ بالرسائل أو الأدلة على التجاوز، ويستشير متخصصًا آخر أو يقدم شكوى للجهة المهنية المختصة. وإذا كان هناك اعتداء أو تهديد أو ابتزاز، فقد يكون الأمر بحاجة إلى تدخل قانوني.
المريض مش مسؤول عن حماية سمعة المعالج، ومش مذنب لأنه وثق فيه أو اتعلق بيه. ومن حقه الانسحاب إذا شعر بعدم الأمان، وليس مطلوبًا منه أن يثبت الاستغلال قبل أن يحمي نفسه.
العلاج النفسي علاقة مهنية هدفها أن تساعد المريض يستعيد قوته واستقلاله، مش إنها تخلق تبعية أو علاقة سرية أو تشبع رغبات المعالج. المعالج الحقيقي ما يستغلش جوعك العاطفي، لكنه يساعدك تفهمه وتتعافى منه. لأن العلاج مش إنك تسلم نفسك لشخص أقوى منك.. العلاج إنك تستعيد نفسك، بأمان ومن غير استغلال.



