إشكالية مقاضاة قادة “حماس” و”إسرائيل” أمام المحكمة الجنائية الدولية
بقلم الدكتور. احمد صفوت السنباطي
في قلب العاصفة التي تهز الضمير العالمي منذ السابع من أكتوبر، حيث تتداخل دماء المدنيين على جانبي الخط الأخضر ويتحول الصراع إلى مشهد مأساوي يومي، تطفو على السطح واحدة من أعقد وأكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ العدالة الدولية الحديثة إمكانية ومشروعية مقاضاة قادة حركة “حماس” وقادة “إسرائيل” أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي هذا السيناريو ليس افتراضياً بل هو واقع بدأ يتبلور مع قيام المدعية العامة للمحكمة، كريم خان، بزيارته إلى المنطقة وإصداره مذكرتي توقيف في مايو 2024 ضد قادة بارزين في حماس والجيش الإسرائيلي المشهد القانوني هنا يحمل تناقضات هائلة تكاد تكون فريدة، فهو لا يجمع فقط بين طرفي نزاع مسلح تحت عدسة القانون الدولي الإنساني، بل يضع تحت المساءلة جهات غير دولة (حماس) من جهة، ودولة ذات سيادة (إسرائيل) من جهة أخرى، في سابقة قد تعيد تشكيل فهمنا للمساءلة في النزاعات غير المتكافئة هذه العملية القانونية الشائكة تسير على حبل مشدود فوق هاوية سياسية، حيث تصطدم المبادئ القانونية المجردة بالواقع الجيوسياسي المتفجر، وتتحول المحكمة من مؤسسة قضائية إلى ساحة معركة رمزية جديدة.
التحدي الأول والأكثر جوهرية هو اختصاص المحكمة نفسه فلسطين دولة طرف في نظام روما الأساسي منذ 2015، وهو ما يعني نظرياً أن الجرائم المرتكبة على أراضيها، أو من قبل مواطنيها، تقع ضمن ولاية المحكمة لكن إسرائيل، كدولة غير طرف، ترفض هذا الاختصاص جملة وتفصيلا، وتعتبر أي تحرك للمحكمة تجاه مواطنيها أو قادتها “تدخلاً سيادياً غير شرعي” هذه المعضلة تفتح الباب أمام معركة قانونية طويلة حول شرعية ولاية المحكمة على الأراضي الفلسطينية، خاصة تلك التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وهو ما قررته المحكمة في قرار سابق حماس، من جهتها، كحركة مقاومة مسلحة لا تمثل دولة، فإن مقاضاة قادتها تعتمد على نظرية المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم المرتكبة خلال النزاع، وهو مجال راسخ نسبياً في القانون الدولي لكن تطبيق هذا على قادة سياسيين وعسكريين في حركة مقيمة في قطاع غزة المحاصر، ويصعب الوصول إليها مادياً، يخلق تحديات إجرائية هائلة لتنفيذ أي أوامر توقيف قد تصدر.
ثم تأتي الإشكالية الأخلاقية والقانونية المتمثلة في مقارنة أو معادلة الاتهامات بين الطرفين في الرأي العام فالمدعية العامة توجه اتهامات مختلفة في طبيعتها ومداها، وإن كانت جميعها خطيرة فاتهامات قادة حماس تتمحور حول جرائم حرب تتعلق بالهجمات المباشرة والمتعمدة ضد المدنيين في السابع من أكتوبر وأخذ الرهائن، وهي أفعال يحظرها بوضوح القانون الدولي الإنساني ويصعب الدفاع عنها تحت أي ذريعة بينما اتهامات القادة الإسرائيليين، وعلى رأسهم وزير الدفاع ورئيس الوزراء، تركز على جرائم حرب أخرى، كاستخدام الجوع كأسلوب حرب، والمعاملة اللاإنسانية، والهجمات العشوائية المفرطة التي تسبب خسائر في أرواح المدنيين، وهي اتهامات تتعلق بطريقة وإدارة العمليات العسكرية خلال الحرب على غزة بعض المنتقدين يرى في هذه الخطوة “معادلة أخلاقية” غير مقبولة بين “مهاجم مدني” و”مدافع عن دولة” يخطئ في وسائله، بينما يؤيدها آخرون كتطبيق حيادي لمبدأ أن القانون الدولي الإنساني يحمي جميع المدنيين بغض النظر عن الجاني، وأن أي انتهاك له يستوجب المساءلة بغض النظر عن هوية مرتكبه هذه الديناميكية تثير غضب كلا الطرفين وحلفائهما، مما يضع المحكمة في موقف دفاعي عن حيادتيها.
العائق الأكبر يبقى سياسياً فإسرائيل، بدعم قوي من الولايات المتحدة وغيرها، لديها القدرة على مقاومة ضغوط المحكمة سياسياً وقضائياً لسنوات أمريكا، التي ليست طرفاً في النظام الأساسي، قد تهدد بعقوبات على المحكمة كما فعلت سابقاً بينما حماس، رغم عزلتها السياسية، فإن أي محاولة لاعتقال قادتها في غزة أو في المنفى ستكون عملاً عسكرياً شديد التعقيد وهكذا، قد تتحول مذكرات التوقيف إلى أوراق قانونية مهمة من الناحية المبدئية، ولكن عديمة الأسنان عملياً في المدى المنظور، مما يغذي سردية “انعدام فعالية” العدالة الدولية.
في النهاية، هذه القضية هي اختبار وجودي ليس فقط للمحكمة الجنائية الدولية، بل لفكرة “العدالة العالمية” نفسها في مواجهة نزاع يمتزج فيه القانوني والسياسي والديني والعاطفي بشكل لا يمكن فصله قد لا تنجح المحكمة في اعتقال أي من المتهمين قريباً، لكن مجرد وجود إجراءات جارية يخلق سابقة تثبت أن حتى الأطراف الأكثر حصانة في النزاعات الأكثر تعقيداً يمكن أن تواجه يوماً ما مساءلة قانونية هذا بحد ذاته قد يكون بداية تغيير في ثقافة الإفلات من العقاب التي طالما غذت استمرار الصراع المحكمة لا تحاكم دولاً ولا حركات، بل أفراداً، وهي تحاول، رغم كل المستحيلات السياسية، أن تذكر العالم بأن هناك خطاً أحمر اسمه القانون الدولي الإنساني، وأن تجاوزه له ثمن، حتى لو كان ذلك الثمن رم