منوعات

تحديات إثبات جرائم الحرب في سوريا أمام الآليات الدولية

تحديات إثبات جرائم الحرب في سوريا أمام الآليات الدولية

تحديات إثبات جرائم الحرب في سوريا أمام الآليات الدولية

بقلم الدكتور : احمد صفوت السنباطي
في قلب المأساة السورية، حيث تحولت المدن إلى ركام والشعب إلى أرقام في تقارير النزوح والضحايا، تقف الآليات الدولية للعدالة عاجزة عن تحقيق أبسط مطالب الضحايا للمحاسبة فبين مشاهد الدمار التي تبث على الشاشات، وصور الضحايا التي تملأ الشبكات الاجتماعية، وأرشيف الفظائع الذي يبدو لا نهائياً، تكمن فجوة عميقة بين حجم الجرائم المرتكبة وقدرة المجتمع الدولي على إثباتها قضائياً إن التحدي هنا ليس في نقص الأدلة، بل في فائضها المشتت والهش، وفي البيئة القانونية المعقدة التي تجعل من سوريا أحد أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ العدالة الدولية فسوريا ليست دولة طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهذا يعني أن الطريق التقليدي للمحاكمة مغلق ما لم يحيل مجلس الأمن الحالة إلى المحكمة، وهو أمر مستحيل عملياً بسبب الفيتو الروسي وهكذا، وُلدت آليات بديلة حاولت سد هذه الفجوة، مثل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة، والتحقيق الدولي المستقل التابع لمجلس حقوق الإنسان، لكنها ولدت معيبة الصلاحيات، فهي تجمع الأدلة دون أن تملك سلطة المحاكمة، وتوثق الجرائم دون أن تستطيع إصدار مذكرة توقيف واحدة إنها عدالة معلقة في الفراغ، تبني ملفات ضخمة بلا محاكم مختصة، وتجمع أدلة قد تبدو تفقد قيمتها القانونية مع مرور الزمن.
أكبر التحديات يتمثل في صعوبة الوصول المادي إلى أماكن ارتكاب الجرائم، فسوريا ساحة حرب مقسمة بين أطراف متعددة، كل منها يسيطر على مناطق مغلقة أمام المحققين الدوليين معظم الأدلة التي تم جمعها جاءت من الناجين والشهود الذين فروا إلى دول الجوار أو إلى أوروبا، ومن تقارير المنظمات غير الحكومية العاملة على الأرض، ومن كمية هائلة من المحتوى الرقمي الذي نشره النشطاء والمدنيون على وسائل التواصل لكن هذه الأدلة تعاني من هشاشة قانونية كبيرة، فشهادة الناجين قد تتعرض للطعن بسبب الصدمة النفسية أو عدم القدرة على تحديد الهويات بدقة، والمحتوى الرقمي يحتاج إلى سلسلة حفظ صارمة وإثبات للأصالة ليكون مقبولاً في محكمة مستقبلية، وهي عملية شبه مستحيلة عندما يكون المصدر هاتفاً محمولاً في منطقة حرب كيف تثبت أن الفيديو الذي يظهر قصف مستشفى هو حقيقي ولم يتم التلاعب به؟ وكيف تحدد هوية الجنود الظاهرين في اللقطات؟ وكيف تربط القرار بارتكاب الجريمة بالسلسلة القيادية العليا؟ هذه الأسئلة تشكل كوابح حقيقية أمام تحويل الفيديو إلى دليل قضائي.
التحدي الآخر الأكثر تعقيداً يكمن في تعدد الجهات الفاعلة وتداخل الولاءات، فالصراع السوري ليس حرباً بين جيشين منتظمين، بل هو خليط من القوات الحكومية، والميليشيات المتحالفة معها بدعم إقليمي، وجماعات المعارضة المسلحة المتنوعة، وفصائل إرهابية مثل داعش هذا التعدد يجعل عملية تحديد المسؤولية الجنائية أشبه بتفكيك شبكة معقدة من العلاقات والولاءات المتشابكة فجريمة واحدة قد يشارك فيها عناصر من الجيش السوري الرسمي وميليشيا مدعومة من إيران، فكيف يتم توزيع المسؤولية؟ وهل يمكن مساءلة القادة السياسيين والعسكريين في الدول الداعمة تحت مبدأ المسؤولية الدولية؟ القانون الدولي يضع عقبات هائلة أمام ذلك.
أمام هذه التحديات، تحاول الآليات الدولية اتباع استراتيجية “التوثيق من أجل المستقبل”، وهي جمع وحفظ الأدلة بأكبر قدر من الدقة، على أمل أن يأتي يوم يمكن فيه محاكمة المجرمين، سواء أمام محاكم وطنية في سوريا المستقبلية، أو أمام محاكم في دول تطبق الولاية القضائية العالمية، أو أمام آلية دولية خاصة قد تنشأ بموجب اتفاق سياسي لكن هذا الأمل يقابله واقع مرير، وهو أن الكثير من الأدلة ستفقد قيمتها مع الوقت، والشهود سيتفرقون وقد تغيب ذاكرتهم التفاصيل الدقيقة، والاهتمام الدولي سيتحول إلى أزمات أخرى والنتيجة هي أن ضحايا سوريا قد يجدون أنفسهم في مواجهة كابوس آخر امتلاكهم جبالاً من الأدلة التي لا تقود إلى أي محكمة، ووجود جلاديهم أحراراً طلقاء، ليس فقط بسبب غياب الإرادة السياسية، بل أيضاً بسبب التعقيدات القانونية والإجرائية التي جعلت من إثبات جرائم الحرب في سوريا معركة موازية للمعركة على الأرض، معركة تستنزف الأمل كما تستنزف القذائف الأجساد
                                                                              د/ احمد صفوت السنباطي
                                                                                                      ب
محكمة النقض

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى