أخطر ما يواجه الأحزاب السياسية ليس هجوم الخصوم من الخارج، بل المؤامرات التي تُدار من الداخل، حيث تُصنع مراكز قوى تعمل على تصعيد البعض بلا كفاءة، وتهميش آخرين يمتلكون الخبرة والرؤية، في مشهد عبثي يهدم أي عمل حزبي حقيقي.
في كثير من الأحيان، لا يكون معيار التصعيد هو الفكر أو الأداء أو الالتزام، بل الولاء الشخصي، والمجاملة، والخضوع. في المقابل، يتم إنزال الكوادر الواعية إلى مقاعد الغياب المتعمد، ليس لضعفها، بل لأنها ترفض السير في القطيع أو قول “نعم” بلا نقاش.
وهنا يظهر الخلل الأكبر: غياب الرؤية السياسية داخل الحزب. فعندما لا توجد استراتيجية واضحة، ولا مشروع سياسي حقيقي، تتحول القرارات إلى ردود أفعال، ويصبح الحزب ساحة صراعات لا مؤسسة وطنية.
هذا المناخ المسموم يدفع الكوادر الجادة إلى الانسحاب الصامت أو الهروب السياسي، ليس ضعفًا، بل رفضًا لأن تكون شاهد زور أو ديكورًا في مشهد مُعد سلفًا. فالكادر الحقيقي لا يقبل أن يكون مجرد رقم، ولا أن يُستخدم كواجهة لتجميل أخطاء الآخرين.
الأحزاب التي تُدار بالمؤامرات لا تُخرّج قادة، بل تُنتج تابعين، ولا تبني مستقبلًا، بل تزرع الإحباط. والأسوأ أن هذا السلوك لا يضر الحزب وحده، بل يضر الحياة السياسية كلها، ويُفقد المواطن ثقته في العمل الحزبي.
إن إقصاء العقول الواعية هو أسرع طريق لانهيار أي كيان، فالأحزاب لا تقوى بالتصفيق، بل بالنقد، ولا تستمر بالمجاملات، بل بالكفاءة، ولا تحيا إلا برؤية سياسية واضحة تضع الوطن فوق الأشخاص.
الخلاصة:
حين تُدار الأحزاب بعقلية المؤامرة، ويُصعَّد الضعيف ويُقصى القوي، لا تسقط الكوادر… بل يسقط الحزب نفسه، ويكتب بيده شهادة فشله.